تخطَّ إلى المحتوى

كاميرا فوق الجريح: تصوير ضحايا الحوادث ونشرهم ليس «توثيقاً» بل انتهاك يعاقب عليه القانون

حادث على الطريق، والحلقة الأولى حول المصاب ليست من المسعفين بل من الهواتف المرفوعة، ثم يصل الفيديو إلى مجموعات العائلة قبل أن يصل الخبر إلى أهله. «كده غلط» تسمّي السلوك باسمه، وتشرح لماذا يعطّل الإنقاذ وينزع الكرامة، وماذا يقول الدستور وقانون 175 لسنة 2018 وقانون الاتصالات وقانون الملكية الفكرية، ولماذا لا تنطبق المادة 309 مكرر على الطريق العام، وما الذي يفعله الإنسان الرشيد بدل رفع الكاميرا.

هيئة التحرير·نُشر في ٧ سبتمبر ٢٠٢٦·٨ دقائق قراءة
كاميرا فوق الجريح: تصوير ضحايا الحوادث ونشرهم ليس «توثيقاً» بل انتهاك يعاقب عليه القانون
Quintin Soloviev / Wikimedia Commons (CC BY 4.0)

الساعة تقترب من الثامنة مساءً على الطريق الدائري، والزحام يتباطأ فجأة حتى يتوقف. سيارة نقل صغيرة انقلبت على جانبها، وخلفها ميكروباص توقّف بالعرض. خلال دقيقة واحدة تتكوّن حول المصاب الممدد على الأسفلت حلقة كاملة من الناس، لكن أغلب الأيدي فيها ليست ممدودة لتساعد، بل مرفوعة إلى الأعلى، وفي كل يد شاشة مضيئة تسجّل. أحدهم يقترب ليلتقط الوجه بوضوح، وآخر يعلّق «صوّر صوّر، ده هيتفرج عليه الملايين». وقبل أن تصل سيارة الإسعاف، وقبل أن يعرف أهل المصاب أي شيء، يكون الفيديو قد وصل إلى مجموعات العائلة على واتساب مصحوباً بعبارة «ربنا يستر، حد يعرف ده مين؟».

هذا المشهد ليس حادثاً بعينه، بل صورة نوعية يعرفها كل من يسير على طرق مصر. وهو ما تسمّيه هذه الزاوية باسمه الصريح: كده غلط. رفع الهاتف فوق جريح لا يجعلك شاهداً ولا موثّقاً، بل جزءاً من الأذى، حتى لو كانت نيتك طيبة. والأذى هنا مزدوج: أذى للجسد الذي ينتظر من ينقذه، وأذى للكرامة التي تُنتزع من إنسان في أضعف لحظات عمره.

لنبدأ بالجسد. الدقائق الأولى بعد أي حادث هي التي تُقاس بها فرص النجاة، وهذا منطق بديهي لا يحتاج إلى إحصاء. الحلقة البشرية الملتفة حول المصاب تعني أن سيارة الإسعاف ستجد صعوبة في الاقتراب، وأن الجريح الذي يحتاج إلى هواء ومساحة يجد فوقه سقفاً من الأذرع والوجوه. لا نملك، على حد علمنا، أرقاماً مصرية موثقة تقيس ما يخسره المصاب من دقائق بسبب المتجمهرين، لكن المنطق كافٍ: كل جسد بين الجريح وباب الإسعاف عائق، وكل هاتف مرفوع لا يتصل بالرقم 123 فرصة ضائعة.

ثم الكرامة. الممدد على الأسفلت لم يختر هذا الوضع، ولم يأذن لأحد بأن يجعله مادة تُتداول. قد يكون وجهه ملطخاً وملابسه ممزقة، وقد يكون يستغيث، وقد يكون فارق الحياة بالفعل. وفي كل الحالات هناك أم ستفتح هاتفها بعد قليل لتجد ابنها في مقطع يتداوله الغرباء، وجريح سيشفى بعد أسابيع ليكتشف أن لحظة عجزه صارت أرشيفاً دائماً في هواتف الآخرين. الخبر الذي كان يجب أن يصل إلى الأهل بصوت هادئ من مستشفى أو ضابط، يصلهم مقطعاً مرفقاً بتعليقات لا تعرف الرحمة.

وهنا يحسن أن نقول بوضوح ما يقوله القانون المصري، لأن كثيرين يرفعون هواتفهم وهم يظنون أن ما يحدث في الشارع مباح للجميع. الأساس الأول هو الدستور نفسه. المادة 57 من دستور 2014 تنص على أن «للحياة الخاصة حُرمة، وهي مصونة لا تُمَسّ». هذا أعلى قاعدة في النظام القانوني المصري، وكل قانون بعده يُقرأ في ضوئها. ونرى، في تقدير هذه الزاوية، أن الحياة الخاصة لا تنتهي عند باب البيت، وأن حالة الإنسان الصحية ولحظة ألمه من صميم خصوصيته أينما كان؛ وإن كان قضاء النقض، كما سنرى، يقرأ «المكان الخاص» قراءة أضيق، فيبقى تطبيق المبدأ على الطريق العام أقل وضوحاً من تطبيقه على النشر.

الأساس الثاني، وهو الأكثر مباشرة في حالتنا، هو المادة 25 من قانون مكافحة جرائم تقنية المعلومات رقم 175 لسنة 2018. تعاقب هذه المادة بالحبس مدة لا تقل عن ستة أشهر وبغرامة من خمسين ألف جنيه إلى مائة ألف جنيه، أو بإحدى هاتين العقوبتين، كل من انتهك حرمة الحياة الخاصة، أو نشر عبر الشبكة المعلوماتية معلومات أو أخباراً أو صوراً وما في حكمها تنتهك خصوصية أي شخص دون رضاه، سواء كانت صحيحة أو غير صحيحة؛ ومقاطع الفيديو، في تقديرنا، في حكم الصور. لاحظ العبارة الأخيرة: الحقيقة ليست دفاعاً هنا. ما يهم أنك نشرت، عبر الإنترنت، ما ينتهك خصوصية إنسان من غير أن يأذن لك.

ولأن الدقة واجبة، نضع النصوص الأخرى في مكانها الصحيح. المادة 309 مكرر من قانون العقوبات رقم 58 لسنة 1937 تعاقب بالحبس مدة لا تزيد على سنة كل من التقط أو نقل بجهاز من الأجهزة صورة شخص في مكان خاص بغير رضاه، وتشدد المادة 309 مكرر (أ) العقوبة على من نشر ما حصل عليه بهذه الطرق. النص يتحدث صراحة عن «المكان الخاص»، والطريق العام ليس مكاناً خاصاً. وقد حسمت محكمة النقض هذه النقطة في الطعن رقم 17841 لسنة 92 قضائية، الذي نُشرت حيثياته في ديسمبر 2025: تصوير أشخاص في الطريق العام وعلى مرأى المارة لا يندرج تحت مفهوم الحياة الخاصة ولا تحت المادة 25 من قانون 175 لسنة 2018، فالمكان الخاص هو المغلق الذي لا تبلغه النظرات من الخارج. لكن المحكمة لم تُبِح الفعل؛ بل كيّفته جريمة تعمّد الإزعاج بإساءة استعمال أجهزة الاتصالات، وفق المادة 76 من قانون تنظيم الاتصالات رقم 10 لسنة 2003، وعقوبتها الحبس وغرامة من خمسمائة إلى عشرين ألف جنيه أو إحداهما.

ماذا يعني هذا للمقطع الذي التُقط فوق الجريح؟ أن التقاطه في الشارع ليس انتهاكاً لحرمة الحياة الخاصة بمعناها الجنائي الضيق، لكنه قد يُعاقَب بوصفه إساءة استعمال لجهاز الاتصال. أما النشر، فالمادة 25 هي أقرب النصوص إلى تجريمه، مع أن قراءة النقض الضيقة للخصوصية تجعل انطباقها على مقاطع الشارع محل اجتهاد أمام كل محكمة. وهناك سند مدني يخصّ النشر تحديداً: المادة 178 من قانون حماية الملكية الفكرية رقم 82 لسنة 2002، فلا يحق لمن التقط صورة لآخر أن ينشرها دون إذنه. صحيح أنها تجيز نشر الصورة «بمناسبة حوادث وقعت علناً»، لكنها تشترط ألا يمسّ تداولها شرف الشخص أو سمعته أو اعتباره، ووجه ملطخ بالدم يستغيث على الأسفلت هو، في تقديرنا، أقرب ما يكون إلى هذا المساس. وقد أكدت النقض في الطعن رقم 9542 لسنة 91 قضائية أن الإذن بالتصوير لا يتضمن الإذن بالنشر. وهذه السطور تشرح ولا تفتي؛ ففي أي واقعة بعينها الكلمة للنيابة والمحكمة.

وهذا ليس اجتهاداً من عندنا. ففي ديسمبر 2025 ربط مقال قانوني في اليوم السابع، حول تصوير جنازات المشاهير، بين هوس التصوير والمادتين 309 مكرر عقوبات و25 من قانون 175 لسنة 2018، مؤكداً أن النشر معاقب عليه سواء كان المحتوى صحيحاً أو زائفاً. وفي الشهر نفسه نُشرت حيثيات حكم النقض المذكور أعلاه. وفي يونيو 2026 حذّر تقرير في مصراوي من أن كاميرا هاتفك قد تقودك إلى السجن إن صوّرت المواطنين في الشارع دون إذنهم. عودة الموضوع بهذا التكرار تعني أن السلوك ما زال شائعاً، وأن الصحافة القانونية تعود إليه كلما تكرر المشهد، وأن النقاش العام حوله يتجدد.

قد يقول قائل: «أنا صوّرت لأحفظ حق المصاب، عشان لو السواق هرب». نية مفهومة، لكن الفرق بين التوثيق والانتهاك هو الوجهة التي يذهب إليها المقطع. التوثيق يذهب إلى محضر الشرطة أو النيابة أو محامي الضحية؛ الانتهاك يذهب إلى مجموعة الأصدقاء وصفحات الحوادث التي تعيش على المآسي. المقطع نفسه قد يكون دليلاً يحمي حقاً في مكان، وجريمة تهدر كرامة في مكان آخر، وأنت من يقرر. ولا تنسَ من يشاهد: طفل يفتح هاتف أمه فيجد جثة على الطريق، ومريض قلب يصله مقطع الدم على الفطور. حين تضغط «إرسال» لا ترسل إلى شخص، بل إلى بيت كامل.

إذن، ما الصواب؟ بسيط وترتيبه مهم. أولاً: افسح الطريق. إن لم تكن مدرباً على الإسعافات الأولية فأفضل ما تقدمه للجريح هو الهواء والمساحة، ولا تحرّك المصاب من مكانه إلا إن كان بقاؤه فيه خطراً مباشراً عليه، كحريق أو سيارة قادمة، وأمّن مكان الحادث حتى لا يصدمه من يأتي بعدك. ثانياً: اتصل بالرقم 123، رقم الإسعاف في مصر، وقل بهدوء أين أنت وكم مصاباً ترى؛ هذه المكالمة تساوي أكثر من ألف مقطع. ثالثاً: إن كان لا بد من التصوير، فصوّر ما يخدم الحق لا المشاهدات: لوحة السيارة وموضع الحادث، لا وجه الجريح ولا جسده. ورابعاً، وهو الأهم: احتفظ بالمقطع للجهات المختصة، وسلّمه لمن يملك سلطة التحقيق، ولا تنشره.

ولمن يصله المقطع من غيره: لا تُعد إرساله. من التقط المقطع ارتكب الخطوة الأولى، لكن كل من ضغط «إعادة توجيه» شارك في الخطوة الثانية، وهي النشر دون رضا الذي تعاقب عليه المادة 25، وقد يجد نفسه مسؤولاً عنها أمام القانون؛ وحتى لو اختلفت المحاكم في التكييف، فالحجة الأخلاقية لا تحتاج إلى حكم. لا تعلّق بـ«حد يعرف ده مين»، ولا تبحث عن هويته لتكون أول من يبلّغ الأهل بطريقة تجرحهم. إن كنت تعرف صاحب المقطع فقل له بهدوء أن يحذفه. الأهل، إن كان لهم أن يعرفوا، فليعرفوا من مصدر يحفظ كرامتهم.

وكلمة عن الرضا. الذي يئنّ على الأسفلت لا يستطيع أن يقول لك «لا تصوّرني»، ولا أن يرفع يده أمام العدسة. عجزه عن الاعتراض ليس موافقة. القانون يسمّي هذا «بغير رضاه»، والضمير يسمّيه بأبسط من ذلك: لو كنت مكانه، هل كنت تريد أن يُلتقط لك هذا المشهد؟

عد الآن إلى الطريق الدائري، إلى الحلقة الملتفة حول الجريح. تخيّل أن الأيدي المرفوعة نزلت، وأن الحلقة تراجعت خطوتين إلى الوراء، وأن صوتاً واحداً قال «أنا اتصلت بـ123، الإسعاف في الطريق، افسحوا». تخيّل أن المقطع الوحيد الذي التُقط ذهب إلى محضر الشرطة لا إلى واتساب، وأن أهل المصاب عرفوا الخبر من المستشفى بصوت إنساني لا من تعليق ساخر تحت فيديو. هذا كله لا يحتاج إلى قانون جديد، بل إلى أن تُنزل يدك لحظة قبل أن ترفعها. فربما يكون الممدد على الأسفلت في المرة القادمة شخصاً تعرفه، وربما، لا قدّر الله، يكون أنت.

مشاركة

مواد ذات صلة

الموقف المخصص ليس رفاهية: احتلال أماكن ذوي الإعاقة سطو على حق الحركة
كده غلط

الموقف المخصص ليس رفاهية: احتلال أماكن ذوي الإعاقة سطو على حق الحركة

«دقيقة واحدة وماشي» — بهذه الجملة تُسرق حرية إنسان كامل. الموقف المخصص والرامب ليسا امتيازاً بل شريان حركة تحميه القوانين وأكواد الإتاحة. مقال يسمّي السلوك الخاطئ باسمه، ويعلّمك كيف تتصرف بحزم مهذب أمام متعدٍّ، ولماذا الدقيقة عندك قد تساوي يوماً كاملاً عند غيرك.

١ سبتمبر ٢٠٢٦ · ٧ دقائق قراءة

شارع بالمنيل في القاهرة وزحام المرور
كده غلط

آلة التنبيه ليست متنفساً للغضب: يدٌ على «الكلاكس» تعتدي على أعصاب شارع بأكمله

يدٌ تهوي على آلة التنبيه فيقتحم الضجيج نافذتك دون استئذان. لماذا لا يُعدّ الاستعمال العشوائي لآلة التنبيه «تنفيساً عن الغضب»، بل اعتداءً صوتياً على شارع بأكمله؟ عن الحد الفاصل بين تنبيهٍ يدرأ خطراً وضجيجٍ يُمرض الناس، وعن الطب والقانون والذوق العام حين تقف جميعها في صف أذنك.

٢٥ أغسطس ٢٠٢٦ · ٧ دقائق قراءة

رجل يدخّن سيجارة داخل مقهى مغلق، والدخان يتصاعد بوضوح في الهواء حول روّاد جالسين.
كده غلط

التدخين في الأماكن المغلقة: حريتك تنتهي عند رئة غيرك

الحلقة الثانية من «كده غلط» تفكك حجة «أنا حر»: أكثر من 1.6 مليون غير مدخن يموتون سنوياً بالتدخين السلبي وفق منظمة الصحة العالمية، وقانون مصري عمره 45 عاماً يحظر ويغرّم.. فلماذا يمتلئ المقهى المغلق بالدخان؟

٢٢ أغسطس ٢٠٢٦ · ٦ دقائق قراءة