مصر في الفضاء: وكالة وطنية وأقمار تراقب الأرض والزرع والمياه
أنشئت وكالة الفضاء المصرية بقانون عام 2018، لكن قصة مصر مع الأقمار الصناعية أقدم من ذلك: من إيجيبت سات-1 إلى طيبة-1 ونكس سات. لماذا يحتاج بلد زراعي إلى برنامج فضاء؟ الإجابة في الحقول والمياه والقرى البعيدة.
قد يبدو برنامج الفضاء ترفًا لبلد مثقل بمشكلات أرضية. لكن إجابة مصر كانت عكس ذلك تمامًا: الأقمار الصناعية أدوات عمل لتلك المشكلات بالذات، من إطعام الناس إلى إدارة المياه وربط المجتمعات النائية. أُنشئت وكالة الفضاء المصرية بقانون صدر عام 2018، ومقرها «المدينة الفضائية» في القاهرة الجديدة، وهو مجمع يضم منشآت لتجميع الأقمار الصناعية واختبارها. ومهمتها توطين تكنولوجيا الفضاء ووضع منتجاتها، وفي مقدمتها الصور والبيانات، في خدمة أجهزة الدولة المدنية.
بدأت قصة مصر مع الأقمار الصناعية قبل قيام الوكالة. فقد أُطلق «إيجيبت سات-1»، أول قمر مصري لرصد الأرض، عام 2007، وطُوّر بالتعاون مع مكتب التصميم الأوكراني «يوجنويه» وبمشاركة مهندسين مصريين في العمل. وظل يصوّر الأرض لأغراض علمية ومدنية حتى انقطع الاتصال به بعد سنوات قليلة. كان ذلك الفقد درسًا مبكرًا قاسيًا، غير أن المشروع كان قد حقق مكسبًا باقيًا: جيل من المهندسين المصريين خاض الدورة الكاملة لتحديد مواصفات قمر صناعي وبنائه وتشغيله.
جاءت المحاولة الثانية مع «إيجيبت سات-2» الذي بُني مع الصناعة الروسية وأُطلق عام 2014، لكن عمره التشغيلي كان قصيرًا هو الآخر. ثم انطلق خليفته «إيجيبت سات-A» من قاعدة بايكونور مطلع عام 2019 حاملًا معدات تصوير محسّنة وتصميمًا مطوّرًا. والنمط عبر هذه المهمات الثلاث مألوف لدى كل دولة بنت قدرة فضائية: الأقمار الأولى تدريب للبشر واختبار للإجراءات بقدر ما هي صور تُرسل إلى الأرض، والانتكاسات جزء من ثمن التعلم.
ثم جاء دور الاتصالات. فقمر «طيبة-1»، الذي أُطلق في نوفمبر/تشرين الثاني 2019 على متن صاروخ أريان-5 من كورو في غويانا الفرنسية، بُني لمصر لدى شركات تصنيع أوروبية ويخدم الاتصالات الحكومية والمدنية. وخلافًا لقمر التصوير الذي يمر فوق مصر دقائق معدودة في كل دورة، يستقر قمر الاتصالات في المدار الثابت بالنسبة إلى الأرض على ارتفاع نحو ستة وثلاثين ألف كيلومتر، مسايرًا دوران الكوكب فيبدو ثابتًا في السماء. ومن ذلك الموقع يستطيع نقل الإنترنت عريض النطاق إلى أماكن يكون مد كابلات الألياف الضوئية إليها بطيئًا أو غير مجدٍ اقتصاديًا.
أما الفصل الأحدث فيؤكد البناء في الداخل. فقمر «مصر سات-2» لرصد الأرض، المطوَّر بالتعاون مع الصين والمُطلق في ديسمبر/كانون الأول 2023، جرى تجميعه واختباره بمشاركة مصرية في منشآت داخل مصر. وتبعه مطلع 2024 «نكس سات-1»، وهو قمر مصغّر بحثي طورته وكالة الفضاء المصرية مع شريك ألماني. والاتجاه المعلن ثابت: الانتقال من شراء الأقمار إلى المشاركة في بنائها ثم تصميمها وتجميعها محليًا، لأن القيمة البعيدة لبرنامج الفضاء تكمن في البشر والمنشآت لا في أي مركبة بعينها.
لماذا يحتاج بلد زراعي إلى كل هذا؟ لأن القمر الصناعي يرى ما لا يستطيع أي مسح أرضي رؤيته. فالكاميرات متعددة الأطياف تسجل الضوء المنعكس عن الحقول في نطاقات تتجاوز إبصار الإنسان، والنبات السليم يعكس الأشعة تحت الحمراء بطريقة تختلف عن النبات المجهَد. وبالمعالجة الصحيحة تتحول الصور إلى خرائط لنوع المحصول والمساحة المنزرعة وحالة النبات على مستوى البلاد كلها، تتجدد موسمًا بعد موسم. وقد استخدمت الجهات المصرية صور الأقمار أيضًا في كشف البناء المخالف على الأراضي الزراعية، وهو استخدام موثق في بلد يُحسب فيه كل فدان في وادي النيل.
والمياه هي الاستخدام الكبير الثاني. فمصر تعتمد اعتمادًا غالبًا على النيل، والأقمار تراقب منظومة النهر بطرق لا تتيحها المحطات الأرضية: تتبّع مساحة بحيرة ناصر صعودًا وهبوطًا، ورصد نحر الشواطئ على امتداد الدلتا، ورسم خرائط البحيرات والأراضي الرطبة، ودعم تخطيط الري بتقدير ما تستهلكه المحاصيل فعليًا من ماء. ولا يغني شيء من ذلك عن المهندسين في الميدان؛ لكنه يمنحهم نظرة شاملة تضع المنظومة كلها في إطار واحد، فيصبح التخطيط والإنذار المبكر ممكنَين.
وتخدم أقمار الاتصالات غرضًا مختلفًا لكنه متصل. فالوصول بالاتصال إلى تجمع صحراوي أو مدينة جديدة عبر الفضاء قد يكون أسرع من مد الشبكات الأرضية، ولهذا وُجهت سعة «طيبة-1» إلى الخدمات الحكومية والمناطق الأقل حظًا من التغطية. ولمصر أيضًا تقليد فضائي أقدم ومنفصل: «نايل سات»، الشركة التي تحمل أقمارها البث التلفزيوني الناطق بالعربية إلى المنطقة منذ عام 1998. والبث والإنترنت نشاطان مختلفان، لكنهما يوضحان معًا كم من تفاصيل الحياة اليومية يمر في صمت عبر المدار.
واضطلعت مصر كذلك بدور قاري. فالمدينة الفضائية بالقاهرة تستضيف مقر وكالة الفضاء الأفريقية، ذراع الاتحاد الأفريقي لتنسيق النشاط الفضائي في القارة، وهي أول مؤسسة أفريقية جامعة من نوعها. وتضع هذه الاستضافة مصر في قلب النقاش الأفريقي حول تبادل بيانات الأقمار لأغراض الزراعة والمناخ والاستجابة للكوارث، وتفتح الباب لتدريب مهندسين من دول أفريقية أخرى في المنشآت المصرية. والتعاون الفضائي، شأنه شأن دبلوماسية الأنهار، ميدان تمنح فيه الجغرافيا والتاريخ مصر مقعدًا طبيعيًا.
والطريقة الأمينة للحكم على برنامج فضاء ليست بعدد عمليات الإطلاق بل بالقرارات. حين يعيد مسؤول ري توزيع المياه استنادًا إلى خرائط الاستهلاك، وحين توقف محافظة مخالفة بناء رُصدت من المدار، وحين تجري عيادة في منطقة نائية استشارة طبية مرئية عبر إنترنت فضائي، فذلك هو البرنامج وهو يعمل. الأقمار تشيخ وتتعطل؛ أما القدرة الباقية فهي بشر يستطيعون تحديد المواصفات والبناء والتشغيل، وقبل ذلك كله الاستخدام. تلك هي البنية التحتية التي تبنيها مصر حقًا، وهي حقيقية كأي طريق.
مواد ذات صلة
حقل ظُهر: الاكتشاف الذي أعاد رسم خريطة الطاقة في شرق المتوسط
في صيف 2015 أعلنت شركة إيني اكتشاف حقل ظُهر قبالة سواحل بورسعيد، فوُصف يومها بأنه أكبر اكتشاف للغاز في تاريخ البحر المتوسط. هذه قصة الاكتشاف، وكيف يُستخرج الغاز من أعماق البحر، ولماذا غيّر موقع مصر على خريطة الطاقة الإقليمية.
١٨ أغسطس ٢٠٢٦ · ٦ دقائق قراءة

هل يُرى سور الصين العظيم من القمر؟ رواد الفضاء حسموا الإجابة
معلومة محببة في الكتب المدرسية: سور الصين العظيم هو البناء البشري الوحيد المرئي من القمر. رواد الفضاء الذين ذهبوا — وأول رائد فضاء صيني نفسه — يقولون غير ذلك، والبصريات تؤيدهم. أما ما يُرى فعلًا من الفضاء، من أضواء المدن إلى دلتا النيل المتوهجة، فقصة أجمل. الحكم: خاطئ.
١٨ أغسطس ٢٠٢٦ · ٥ دقائق قراءة

هل يقي فيتامين سي من نزلات البرد؟ ما تُظهره عقود من التجارب فعلًا
ملايين يقسمون بفيتامين سي عند أول عطسة. لكن عقودًا من التجارب المنضبطة تروي قصة أدق: لا يقي معظم الناس من نزلات البرد، وقد يقصّرها قليلًا إذا أُخذ بانتظام مسبقًا — ولا تظهر وقاية حقيقية إلا لدى عدّائي الماراثون والمتزلجين والجنود تحت إجهاد شديد. الحكم: صحيح جزئيًا.
١٨ أغسطس ٢٠٢٦ · ٥ دقائق قراءة