تخطَّ إلى المحتوى

مصر في الفضاء: وكالة وطنية وأقمار تراقب الأرض والزرع والمياه

أنشئت وكالة الفضاء المصرية بقانون عام 2018، لكن قصة مصر مع الأقمار الصناعية أقدم من ذلك: من إيجيبت سات-1 إلى طيبة-1 ونكس سات. لماذا يحتاج بلد زراعي إلى برنامج فضاء؟ الإجابة في الحقول والمياه والقرى البعيدة.

هيئة التحرير·نُشر في ١٨ أغسطس ٢٠٢٦·٦ دقائق قراءة
كوكب الأرض كاملاً من الفضاء، وتتوسط القرصَ قارةُ أفريقيا ويظهر وادي النيل عند حافتها الشمالية
NASA/NOAA / Wikimedia Commons (Public domain)

قد يبدو برنامج الفضاء ترفًا لبلد مثقل بمشكلات أرضية. لكن إجابة مصر كانت عكس ذلك تمامًا: الأقمار الصناعية أدوات عمل لتلك المشكلات بالذات، من إطعام الناس إلى إدارة المياه وربط المجتمعات النائية. أُنشئت وكالة الفضاء المصرية بقانون صدر عام 2018، ومقرها «المدينة الفضائية» في القاهرة الجديدة، وهو مجمع يضم منشآت لتجميع الأقمار الصناعية واختبارها. ومهمتها توطين تكنولوجيا الفضاء ووضع منتجاتها، وفي مقدمتها الصور والبيانات، في خدمة أجهزة الدولة المدنية.

بدأت قصة مصر مع الأقمار الصناعية قبل قيام الوكالة. فقد أُطلق «إيجيبت سات-1»، أول قمر مصري لرصد الأرض، عام 2007، وطُوّر بالتعاون مع مكتب التصميم الأوكراني «يوجنويه» وبمشاركة مهندسين مصريين في العمل. وظل يصوّر الأرض لأغراض علمية ومدنية حتى انقطع الاتصال به بعد سنوات قليلة. كان ذلك الفقد درسًا مبكرًا قاسيًا، غير أن المشروع كان قد حقق مكسبًا باقيًا: جيل من المهندسين المصريين خاض الدورة الكاملة لتحديد مواصفات قمر صناعي وبنائه وتشغيله.

جاءت المحاولة الثانية مع «إيجيبت سات-2» الذي بُني مع الصناعة الروسية وأُطلق عام 2014، لكن عمره التشغيلي كان قصيرًا هو الآخر. ثم انطلق خليفته «إيجيبت سات-A» من قاعدة بايكونور مطلع عام 2019 حاملًا معدات تصوير محسّنة وتصميمًا مطوّرًا. والنمط عبر هذه المهمات الثلاث مألوف لدى كل دولة بنت قدرة فضائية: الأقمار الأولى تدريب للبشر واختبار للإجراءات بقدر ما هي صور تُرسل إلى الأرض، والانتكاسات جزء من ثمن التعلم.

ثم جاء دور الاتصالات. فقمر «طيبة-1»، الذي أُطلق في نوفمبر/تشرين الثاني 2019 على متن صاروخ أريان-5 من كورو في غويانا الفرنسية، بُني لمصر لدى شركات تصنيع أوروبية ويخدم الاتصالات الحكومية والمدنية. وخلافًا لقمر التصوير الذي يمر فوق مصر دقائق معدودة في كل دورة، يستقر قمر الاتصالات في المدار الثابت بالنسبة إلى الأرض على ارتفاع نحو ستة وثلاثين ألف كيلومتر، مسايرًا دوران الكوكب فيبدو ثابتًا في السماء. ومن ذلك الموقع يستطيع نقل الإنترنت عريض النطاق إلى أماكن يكون مد كابلات الألياف الضوئية إليها بطيئًا أو غير مجدٍ اقتصاديًا.

أما الفصل الأحدث فيؤكد البناء في الداخل. فقمر «مصر سات-2» لرصد الأرض، المطوَّر بالتعاون مع الصين والمُطلق في ديسمبر/كانون الأول 2023، جرى تجميعه واختباره بمشاركة مصرية في منشآت داخل مصر. وتبعه مطلع 2024 «نكس سات-1»، وهو قمر مصغّر بحثي طورته وكالة الفضاء المصرية مع شريك ألماني. والاتجاه المعلن ثابت: الانتقال من شراء الأقمار إلى المشاركة في بنائها ثم تصميمها وتجميعها محليًا، لأن القيمة البعيدة لبرنامج الفضاء تكمن في البشر والمنشآت لا في أي مركبة بعينها.

لماذا يحتاج بلد زراعي إلى كل هذا؟ لأن القمر الصناعي يرى ما لا يستطيع أي مسح أرضي رؤيته. فالكاميرات متعددة الأطياف تسجل الضوء المنعكس عن الحقول في نطاقات تتجاوز إبصار الإنسان، والنبات السليم يعكس الأشعة تحت الحمراء بطريقة تختلف عن النبات المجهَد. وبالمعالجة الصحيحة تتحول الصور إلى خرائط لنوع المحصول والمساحة المنزرعة وحالة النبات على مستوى البلاد كلها، تتجدد موسمًا بعد موسم. وقد استخدمت الجهات المصرية صور الأقمار أيضًا في كشف البناء المخالف على الأراضي الزراعية، وهو استخدام موثق في بلد يُحسب فيه كل فدان في وادي النيل.

والمياه هي الاستخدام الكبير الثاني. فمصر تعتمد اعتمادًا غالبًا على النيل، والأقمار تراقب منظومة النهر بطرق لا تتيحها المحطات الأرضية: تتبّع مساحة بحيرة ناصر صعودًا وهبوطًا، ورصد نحر الشواطئ على امتداد الدلتا، ورسم خرائط البحيرات والأراضي الرطبة، ودعم تخطيط الري بتقدير ما تستهلكه المحاصيل فعليًا من ماء. ولا يغني شيء من ذلك عن المهندسين في الميدان؛ لكنه يمنحهم نظرة شاملة تضع المنظومة كلها في إطار واحد، فيصبح التخطيط والإنذار المبكر ممكنَين.

وتخدم أقمار الاتصالات غرضًا مختلفًا لكنه متصل. فالوصول بالاتصال إلى تجمع صحراوي أو مدينة جديدة عبر الفضاء قد يكون أسرع من مد الشبكات الأرضية، ولهذا وُجهت سعة «طيبة-1» إلى الخدمات الحكومية والمناطق الأقل حظًا من التغطية. ولمصر أيضًا تقليد فضائي أقدم ومنفصل: «نايل سات»، الشركة التي تحمل أقمارها البث التلفزيوني الناطق بالعربية إلى المنطقة منذ عام 1998. والبث والإنترنت نشاطان مختلفان، لكنهما يوضحان معًا كم من تفاصيل الحياة اليومية يمر في صمت عبر المدار.

واضطلعت مصر كذلك بدور قاري. فالمدينة الفضائية بالقاهرة تستضيف مقر وكالة الفضاء الأفريقية، ذراع الاتحاد الأفريقي لتنسيق النشاط الفضائي في القارة، وهي أول مؤسسة أفريقية جامعة من نوعها. وتضع هذه الاستضافة مصر في قلب النقاش الأفريقي حول تبادل بيانات الأقمار لأغراض الزراعة والمناخ والاستجابة للكوارث، وتفتح الباب لتدريب مهندسين من دول أفريقية أخرى في المنشآت المصرية. والتعاون الفضائي، شأنه شأن دبلوماسية الأنهار، ميدان تمنح فيه الجغرافيا والتاريخ مصر مقعدًا طبيعيًا.

والطريقة الأمينة للحكم على برنامج فضاء ليست بعدد عمليات الإطلاق بل بالقرارات. حين يعيد مسؤول ري توزيع المياه استنادًا إلى خرائط الاستهلاك، وحين توقف محافظة مخالفة بناء رُصدت من المدار، وحين تجري عيادة في منطقة نائية استشارة طبية مرئية عبر إنترنت فضائي، فذلك هو البرنامج وهو يعمل. الأقمار تشيخ وتتعطل؛ أما القدرة الباقية فهي بشر يستطيعون تحديد المواصفات والبناء والتشغيل، وقبل ذلك كله الاستخدام. تلك هي البنية التحتية التي تبنيها مصر حقًا، وهي حقيقية كأي طريق.

مشاركة

مواد ذات صلة

جُعران من الخزف الأزرق المصري القديم معروض مائلاً بجوار مسطرة قياس مقسّمة بالأبيض والأسود
الابتكارات العلمية

«الأزرق المصري»: أول صبغة صناعية في التاريخ تعود اليوم لتكشف البصمات وتضيء الخلايا

لون أزرق صنعه كيميائيون مصريون من الرمل والنحاس والجير قبل آلاف السنين، اكتشف علماء في 2013 أنه يتفتت إلى صفائح نانوية تشع أشعة تحت حمراء، فصار مسحوقاً يكشف البصمات في أستراليا، وعدسة تضيء أجنة الذباب وأوراق النبات في ألمانيا. قصة مادة قديمة بخاصية حديثة، وسؤال عن مختبراتنا اليوم.

١٧ سبتمبر ٢٠٢٦ · ٧ دقائق قراءة

حفريات عظام ديناصور معروضة داخل فاترينة زجاجية طويلة وبجوارها بطاقات تعريف
الابتكارات العلمية

قبل الفراعنة بثمانين مليون سنة: ديناصور المنصورة وحفريات الواحات التي أحرقتها الحرب

طلاب مصريون من جامعة المنصورة أخرجوا من صخور الواحات الداخلة عظام «منصوراصورس»، أكمل هيكل ديناصور من أواخر العصر الطباشيري في أفريقيا. وقبلهم بقرن، دفن عالم ألماني ديناصورات الواحات البحرية في ميونخ فأحرقتها الحرب. حكاية أرشيف الأرض في صحراء مصر، وعلم يمكن لابنك أن يدرسه هنا.

٨ سبتمبر ٢٠٢٦ · ٧ دقائق قراءة

«كده غلط».. السم في الطبق والعصا على الظهر: إيذاء الحيوان جريمة في قانون العقوبات المصري منذ 1937
كده غلط

«كده غلط».. السم في الطبق والعصا على الظهر: إيذاء الحيوان جريمة في قانون العقوبات المصري النافذ منذ 1937

جار يضع أطباقاً مسمومة بجوار سور المدرسة، وصاحب عربة يضرب حماره على وجهه لينهض بحمل يفوق طاقته. كثيرون يظنون أن «مجرد حيوان» يعني أن لا قانون يحميه. الحقيقة أن المواد 355 و356 و357 من قانون العقوبات تعاقب على قتل الحيوان وتسميمه وإيذائه بعقوبات تصل إلى السجن. عشية اليوم العالمي للحيوان، نشرح ما يقوله القانون وما هو السلوك الصحيح.

٣ أكتوبر ٢٠٢٦ · ٦ دقائق قراءة