«الأزرق المصري»: أول صبغة صناعية في التاريخ تعود اليوم لتكشف البصمات وتضيء الخلايا
لون أزرق صنعه كيميائيون مصريون من الرمل والنحاس والجير قبل آلاف السنين، اكتشف علماء في 2013 أنه يتفتت إلى صفائح نانوية تشع أشعة تحت حمراء، فصار مسحوقاً يكشف البصمات في أستراليا، وعدسة تضيء أجنة الذباب وأوراق النبات في ألمانيا. قصة مادة قديمة بخاصية حديثة، وسؤال عن مختبراتنا اليوم.

في قاعة من قاعات المتحف المصري، يقف زائر أمام تابوت خشبي مطلي أو قطعة من جدارية قديمة، وتستوقفه بقعة زرقاء لا تزال زاهية رغم القرون. يقترب قليلاً، يقرأ البطاقة الصغيرة، ثم يمضي إلى القطعة التالية. لا يعرف، على الأرجح، أن هذا الأزرق لم يُجلب من حجر كريم ولا من نبات، بل صُنع صناعة في أفران مصرية، وأن العلماء في جامعات بعيدة يطاردون اليوم أسراره تحت المجهر.
المادة التي نتحدث عنها يسميها العلماء «الأزرق المصري»، وتركيبها الكيميائي سيليكات الكالسيوم والنحاس. كان المصري القديم يطحن الرمل والجير والنحاس أو خاماته، ثم يسخن الخليط في فرن حتى يتحول إلى كتلة زرقاء تُطحن بدورها لتصبح صبغة. وتصفها الأدبيات العلمية بأنها أول صبغة صناعية صنعها الإنسان، أي أول لون لم يوجد في الطبيعة جاهزاً بل ابتكره البشر بأيديهم ومعرفتهم.
أما عمر هذه الصبغة فتختلف فيه المراجع قليلاً: بيان جامعة جورجيا الأمريكية يقول إن عمرها نحو خمسة آلاف عام، بينما تذكر جامعة كيرتن الأسترالية أنها صُنعت أول مرة قبل عام 3200 قبل الميلاد. وأياً كان الرقم الدقيق، فالمؤكد أنها أقدم من أربعة آلاف عام على الأقل، وأنها ظلت مستعملة، بحسب البيان الأسترالي نفسه، حتى نحو القرن الرابع الميلادي قبل أن تنطفئ وصفتها من الذاكرة لقرون.
هنا يجب أن نضبط عباراتنا. المصري القديم لم يكن يعرف شيئاً اسمه «النانو»، ولم يقصد إلى ما اكتشفه العلماء حديثاً. لكنه كان، بلا مبالغة، أول مهندس مواد في التاريخ: عرف أن مزيجاً محدداً من خامات محددة يعطي لوناً محدداً إذا وصلت النار إلى الحرارة المناسبة، وأتقن تكرار ذلك بثبات على مدى قرون. هذا في حد ذاته علم، وإن لم يُكتب في معادلات.
القصة الحديثة بدأت في فبراير 2013، حين نشر فريق من جامعة جورجيا بقيادة الباحثة تينا سالغيرو دراسة في مجلة الجمعية الكيميائية الأمريكية. وجد الفريق أن سيليكات الكالسيوم والنحاس تتفكك إلى صفائح نانوية رقيقة إلى درجة أن آلافاً منها تصطف في عرض شعرة واحدة من شعر الإنسان، وأن هذه الصفائح تشع أشعة تحت حمراء قريبة لا تراها العين، من نوع الأشعة نفسها التي تعمل بها أجهزة التحكم عن بُعد ومفاتيح السيارات.
والمفارقة التي لفتت أنظار العلماء أن مادة صمدت آلاف السنين على جدران المقابر ثبت أنها تتفتت بسهولة إذا قُلّبت في ماء ساخن، على ما نقلت مجلة «ساينتفيك أمريكان». بل إن الباحثين تمكنوا من طباعة هذه الصفائح بطابعات نفث الحبر العادية، وهو ما فتح الباب أمام فكرة «الحبر النانوي» الذي يبدو عادياً للعين لكنه يبعث إشارة تحت حمراء يمكن رصدها بجهاز مناسب.
وللمادة ميزة اقتصادية لا تقل أهمية عن ميزتها الفيزيائية. فمعظم المواد التي تشع في مدى الأشعة تحت الحمراء تعتمد على العناصر الأرضية النادرة، وهي عناصر غالية وموزعة جغرافياً بشكل غير عادل. أما الأزرق المصري فمكوّن من الكالسيوم والنحاس والسيليكون والأكسجين، أي من عناصر رخيصة ووفيرة، وهو ما رأى فيه الباحثون فائدة اقتصادية وبيئية محتملة.
التطبيق الأول الذي خرج من المختبر إلى عالم ملموس جاء من أستراليا. ففي 24 مايو 2016 أعلنت جامعة كيرتن عن دراسة نُشرت في مجلة «الأصباغ والملونات»، استخدم فيها فريق البروفيسور سايمون لويس مسحوقاً مطحوناً من الأزرق المصري للكشف عن البصمات الكامنة على الأسطح المنقوشة والعاكسة التي تفشل فيها المساحيق التقليدية عادة، ومنها، بحسب ما ورد عن الدراسة، الأوراق النقدية البوليمرية. كل ما يحتاجه المحقق مصدر ضوء أبيض رخيص وكاميرا رقمية عادية بتعديل بسيط لتلتقط ما تبعثه الصبغة في مدى الأشعة تحت الحمراء.
ثم جاء الوثب الأكبر عام 2020، حين نشر فريق من جامعة غوتنغن الألمانية مع شركاء من جامعة كاليفورنيا في ريفرسايد دراسة في مجلة «نيتشر كوميونيكيشنز». قاس الفريق إشعاع الصفائح النانوية للأزرق المصري فوجده عند نحو 910 نانومتر، والأهم أن هذا الإشعاع لا يتلاشى مع طول التعريض للضوء، على عكس الأصباغ العضوية المعتادة مثل الرودامين التي تخفت بسرعة تحت الليزر. ومعنى ذلك عملياً أن الباحث يستطيع أن يراقب العينة ساعات دون أن تنطفئ علامته.
استخدم الفريق هذه الصفائح كمسابير دقيقة داخل أجنة ذبابة الفاكهة، وتتبع حركة كل جسيم على حدة في الفراغ بين الخلايا ليقرأ منها الخصائص الميكانيكية للنسيج، ولاحظ أن الجسيمات الأقرب إلى نوى الخلايا تتحرك في مدى أضيق، وهو ما فسره الباحثون بأن الوسط حول النوى أكثر كثافة. كما أدخلوها في أوراق نبات الأرابيدوبسيس بتقنية تسريب المحلول في الورقة بحقنة بلا إبرة، وهي تقنية معتادة في مختبرات النبات، فظلت مرئية بإشارتها المميزة. وكل ذلك رُصد بكاميرات سيليكون عادية منخفضة الثمن، لا بالكاميرات المبردة بالنيتروجين التي تتطلبها كثير من مواد الأشعة تحت الحمراء.
ولماذا يهم هذا؟ لأن الأشعة تحت الحمراء القريبة تنفذ في الأنسجة الحية أفضل من الضوء المرئي، ولهذا يراهن الباحثون عليها في التصوير الطبي الحيوي، وفي أحبار الأمان التي تحمي الوثائق من التزوير، وفي أجهزة الاتصالات الضوئية. غير أن الأمانة تقتضي القول إن كل ما سبق، حتى تاريخ كتابة هذه السطور، لا يزال على حد علمنا في نطاق البحث والتجارب المختبرية، ولم يتحول بعد إلى منتج طبي يُستخدم على المرضى.
ونعود إلى سؤال الاعتزاز، لأنه اعتزاز مشروط. الحقيقة الدقيقة هي أن خاصية حديثة اكتُشفت في مادة قديمة، لا أن الأجداد أخفوا في الجدران سراً نانوياً مقصوداً. لكن ما يستحق الفخر فعلاً هو أن المصري القديم اختار الخامات الصحيحة، وضبط ناره، وكرر وصفته آلاف المرات بنتيجة واحدة، فترك للعالم مادة ثابتة إلى الحد الذي جعل علماء القرن الحادي والعشرين يجدون فيها ما لم يجدوه في مواد مصممة في أحدث المعامل.
والسؤال الذي يعود إلى القارئ: أين مختبرات اليوم من هذا الإرث؟ الدراسات الثلاث التي بُني عليها هذا المقال خرجت من جورجيا وبيرث وغوتنغن بالتعاون مع ريفرسايد. لكن الصورة في مصر ليست خالية: فمرممون في معمل الأخشاب بمركز ترميم المتحف المصري الكبير استعملوا، في دراسة نُشرت عام 2017، توهج الأزرق المصري تحت الأشعة تحت الحمراء لرصد توزيعه على تابوت خشبي ملون من العصر المتأخر حتى حيث كان أثره ضئيلاً أو ممزوجاً بأصباغ أخرى، وهو الاستخدام نفسه للخاصية التي يطاردها العالم؛ وباحثون من المركز القومي للبحوث والمركز القومي لبحوث الإسكان والبناء صنعوا الصبغة بحجم النانو عام 2023 لطلاءات زخرفية ومقاومة للصدأ. أما في التصوير الحيوي أو كشف البصمات بالصفائح النانوية، فلم نعثر حتى تاريخ كتابة هذه السطور على دراسة مصرية منشورة، وقد يكون ذلك نقصاً في ما وصل إلينا لا في ما هو موجود. والخامات ما زالت هنا، رمل وجير ونحاس، وطلاب الكيمياء والفيزياء في جامعاتنا يستحقون أن يُقال لهم إن في مادة تحمل اسم بلدهم مجالاً بحثياً مفتوحاً لم تُقفل أبوابه بعد.
وحين يعود ذلك الزائر إلى القاعة نفسها في زيارة قادمة، ويقف أمام البقعة الزرقاء ذاتها، فلعله يراها بعين مختلفة: لا لوناً جميلاً فحسب، بل رسالة من كيميائي مجهول ركّب أول لون صناعي في التاريخ، وما زالت رسالته تصل، بضوء لا نراه، إلى مختبرات لم يكن يتخيل وجودها.
مواد ذات صلة

قبل الفراعنة بثمانين مليون سنة: ديناصور المنصورة وحفريات الواحات التي أحرقتها الحرب
طلاب مصريون من جامعة المنصورة أخرجوا من صخور الواحات الداخلة عظام «منصوراصورس»، أكمل هيكل ديناصور من أواخر العصر الطباشيري في أفريقيا. وقبلهم بقرن، دفن عالم ألماني ديناصورات الواحات البحرية في ميونخ فأحرقتها الحرب. حكاية أرشيف الأرض في صحراء مصر، وعلم يمكن لابنك أن يدرسه هنا.
٨ سبتمبر ٢٠٢٦ · ٧ دقائق قراءة

مصر في الفضاء: وكالة وطنية وأقمار تراقب الأرض والزرع والمياه
أنشئت وكالة الفضاء المصرية بقانون عام 2018، لكن قصة مصر مع الأقمار الصناعية أقدم من ذلك: من إيجيبت سات-1 إلى طيبة-1 ونكس سات. لماذا يحتاج بلد زراعي إلى برنامج فضاء؟ الإجابة في الحقول والمياه والقرى البعيدة.
١٨ أغسطس ٢٠٢٦ · ٦ دقائق قراءة

حقل ظُهر: الاكتشاف الذي أعاد رسم خريطة الطاقة في شرق المتوسط
في صيف 2015 أعلنت شركة إيني اكتشاف حقل ظُهر قبالة سواحل بورسعيد، فوُصف يومها بأنه أكبر اكتشاف للغاز في تاريخ البحر المتوسط. هذه قصة الاكتشاف، وكيف يُستخرج الغاز من أعماق البحر، ولماذا غيّر موقع مصر على خريطة الطاقة الإقليمية.
١٨ أغسطس ٢٠٢٦ · ٦ دقائق قراءة