تخطَّ إلى المحتوى

رغيف العيش المدعوم: كيف يعمل أقدم برامج الدعم في مصر؟

يسميه المصريون «عيشا» أي الحياة نفسها. من بطاقات التموين إلى صوامع القمح وأفران البلدي، نشرح كيف يعمل نظام دعم الخبز الذي يستفيد منه أكثر من ستين مليون مصري، ولماذا ظل الرغيف عقودا أكثر الملفات حساسية في الموازنة والسياسة معا.

نُشر في ١٨ أغسطس ٢٠٢٦·٧ دقائق قراءة
أرغفة مستديرة من الخبز البلدي المصري مرصوصة على أرفف خشبية في مخبز شعبي

في العامية المصرية لا يسمى الخبز «خبزا» كما في معظم البلاد العربية، بل «عيشا»، أي الحياة نفسها. وتختصر الكلمة كل شيء عن مكانة الرغيف البلدي المستدير في حياة المصريين؛ فبالنسبة لملايين الأسر يمثل الخبز المدعوم الذي يُشترى بثمن رمزي حجر الزاوية في الوجبة اليومية، وأحد أكثر البنود حساسية في الموازنة العامة للدولة.

تعود جذور دعم الغذاء في مصر إلى حقبة الحرب العالمية الثانية حين بدأت الدولة التحكم في إمدادات السلع الأساسية، ثم توسع النظام كثيرا في العقود التالية حتى شمل بحلول السبعينيات سلة واسعة من السلع. وفي يناير 1977 أشعلت محاولة حكومية لخفض دعم الخبز وسلع أخرى اضطرابات واسعة لم تهدأ إلا بالتراجع عن القرار، في واقعة علّمت كل الحكومات اللاحقة الوزن السياسي للرغيف.

يقوم النظام اليوم على بطاقات التموين الصادرة للأسر المسجلة؛ فلكل فرد مقيد على البطاقة حصة يومية من أرغفة الخبز البلدي المدعوم — خمسة أرغفة يوميا للفرد وفق المخصص المعمول به منذ سنوات طويلة — يشتريها من المخابز المرخصة بجزء يسير من تكلفة الإنتاج، وتسدد الدولة للمخابز الفارق.

ونطاق البرنامج هائل؛ فالأرقام الرسمية تضع منذ سنوات عدد المستفيدين فوق ستين مليون شخص، أي نحو ستة من كل عشرة مصريين، وتشارك فيه عشرات الآلاف من المخابز في أنحاء البلاد، ما يجعله واحدا من أكبر عمليات دعم الغذاء في العالم كله.

وظل سعر الرغيف المدعوم مجمدا عند خمسة قروش منذ أواخر ثمانينيات القرن الماضي رغم كل ما جرى على قيمة الجنيه وتكاليف الإنتاج، إلى أن رفعته الحكومة عام 2024 إلى عشرين قرشا في أول زيادة منذ نحو خمسة وثلاثين عاما، مع التأكيد أن الرغيف لا يزال أدنى كثيرا من تكلفته الحقيقية. وتتحمل الخزانة العامة هذا الفارق الذي يبلغ عشرات المليارات من الجنيهات سنويا.

وخلف كل رغيف سلسلة إمداد تبدأ بعيدا عن مصر؛ فالبلاد من أكبر مستوردي القمح في العالم، إذ لا يغطي المحصول المحلي سوى جزء من الاحتياج القومي. وتشتري الدولة القمح عبر مناقصات دولية ومن المزارعين المصريين بأسعار توريد معلنة كل موسم، وتخزنه في شبكة صوامع جرى التوسع فيها خلال السنوات الأخيرة، ثم يُطحن إلى دقيق الاستخراج العالي المستخدم في الخبز البلدي.

وشهد منتصف العقد الماضي إصلاحا محوريا حين حلت البطاقات الذكية محل الورقية وصار الدفع للمخابز إلكترونيا عن الأرغفة المصروفة فعلا لا عن الدقيق المستلم، وهو ما قلص التسرب والهدر بدرجة ملموسة. كما أتاح نظام النقاط للأسر استبدال ما لا تستهلكه من حصة الخبز بسلع غذائية أخرى من منافذ التموين.

غير أن انكشاف النظام على الأسواق العالمية نقطة ضعف دائمة؛ فقفزات أسعار القمح الدولية — وأشدها ما أعقب الحرب في أوكرانيا واضطراب صادرات البحر الأسود — ترفع فاتورة الاستيراد، وتضاعف تحركات سعر الصرف الضغوط. ولهذا تُعامل قدرات التخزين وتنويع مصادر التوريد وزيادة المشتريات المحلية باعتبارها مسائل أمن قومي بمعنى الكلمة.

ويتجادل الاقتصاديون منذ زمن حول مستقبل الدعم؛ ففريق يدعو إلى استهداف أدق يضمن وصول المساندة إلى الأكثر احتياجا ويخفف العبء عن الموازنة، وفريق يحذر من صعوبة الفرز الإداري ويرى في إتاحة الخبز للجميع صمام أمان اجتماعيا لا يقدر بثمن. وتطفو بين حين وآخر مقترحات باستبدال الدعم العيني بتحويلات نقدية، من دون حسم حتى الآن.

وللخبز في مصر وزن حضاري يسبق أي وزارة؛ فالمصريون يخبزون الأرغفة المستديرة منذ آلاف السنين، وتصور مشاهد المقابر القديمة أفران الخبيز وعمالها، والرغيف البلدي المأكول اليوم سليل مباشر لذلك التقليد الممتد من عصور الفراعنة إلى موائد اليوم.

وأيا كان شكل الإصلاح المقبل، فالثوابت لن تتغير قريبا: سكان يتزايدون، ورغيف يرتكز عليه غذاء الأغلبية، والتزام من الدولة رسخته تجارب التاريخ. ومن يفهم كيف يعمل نظام الخبز يفهم جانبا كبيرا من كيفية عمل الاقتصاد المصري نفسه.

مواد ذات صلة

سوق شعبي مصري مزدحم يعرض فيه الباعة الخضار والفاكهة على البسطات بينما يتفحص المتسوقون البضائع ويقارنون الأسعار.
الأخبار العامة

الجنيه وسلة التسوق: كيف يعمل التضخم في السوق وكيف تتكيف الأسر المصرية؟

لماذا تزداد سلة الأرز والزيت والخضار نفسها غلاءً كل موسم حتى في السلع المزروعة محليًا؟ شرح مبسط لكيفية انتقال أثر التضخم وقيمة الجنيه من الموانئ إلى بسطات السوق، ودور الدعم في تخفيف الصدمة، والاستراتيجيات المجربة التي تتكيف بها الأسر.

١٨ أغسطس ٢٠٢٦ · ٥ دقائق قراءة

منظر للعاصمة الإدارية الجديدة شرق القاهرة يُظهر أفق حي المال والأعمال مع البرج الأيقوني والمباني الحكومية الجديدة وسط الصحراء.
الأخبار العامة

العاصمة الإدارية الجديدة: ما هي وكيف تنتقل الحكومة ولماذا يستمر الجدل حول التكلفة؟

على بعد نحو 45 كيلومترًا شرق القاهرة تبني مصر مقرًا جديدًا للحكم من الصفر. ما العاصمة الإدارية الجديدة؟ وكيف يجري الانتقال المرحلي للوزارات؟ وكيف ترتبط بالقاهرة؟ ولماذا تظل تكلفتها موضع جدل حقيقي وموثق؟

١٨ أغسطس ٢٠٢٦ · ٥ دقائق قراءة

سور الصين العظيم يتلوى فوق سلاسل جبلية خضراء ممتدًا نحو الأفق
الحقيقةزائف

هل يُرى سور الصين العظيم من القمر؟ رواد الفضاء حسموا الإجابة

معلومة محببة في الكتب المدرسية: سور الصين العظيم هو البناء البشري الوحيد المرئي من القمر. رواد الفضاء الذين ذهبوا — وأول رائد فضاء صيني نفسه — يقولون غير ذلك، والبصريات تؤيدهم. أما ما يُرى فعلًا من الفضاء، من أضواء المدن إلى دلتا النيل المتوهجة، فقصة أجمل. الحكم: خاطئ.

١٨ أغسطس ٢٠٢٦ · ٥ دقائق قراءة