تخطَّ إلى المحتوى

القاهرة الإسلامية والقبطية: متحف مفتوح من باب الفتوح إلى الكنيسة المعلقة

قلّة من المدن تستطيع أن تمشي بزائرها عبر ألف عام من العمارة في نزهة واحدة. القاهرة التاريخية، المسجلة في قائمة التراث العالمي منذ 1979، تفعل ذلك: من شارع المعز ومساجده إلى كنائس مصر القديمة ومعبد بن عزرا، وقصة ترميم أعادت للحجر حياته.

نُشر في ١٨ أغسطس ٢٠٢٦·٧ دقائق قراءة
مآذن وواجهات أثرية مرمّمة على امتداد شارع المعز في القاهرة التاريخية والمارة يسيرون بين المعالم.

قلّة من المدن تستطيع أن تصحب زائرها عبر ألف عام من العمارة في جولة واحدة بعد الظهيرة. القاهرة التاريخية تفعل ذلك. فمنذ إدراجها على قائمة التراث العالمي لليونسكو عام 1979 وهي تضم واحدة من أكثف تجمعات آثار العصور الوسطى في العالم: مساجد ومدارس وكنائس ومعبد يهودي وبوابات مدينة وبيوت تجار وأسبلة عامة، ما زالت قائمة وسط أحياء تنبض بالحياة. يتحدث المصريون غالبًا عن حيّين، القاهرة الإسلامية والقاهرة القبطية، لكن الأصح فهمهما بوصفهما متحفًا مفتوحًا واحدًا متصلًا، تفصل بين طبقاته القرون لا الأسوار.

جاءت لحظة تأسيس المدينة الإسلامية عام 969 ميلادية، حين خطّ القائد الفاطمي جوهر عاصمة جديدة مسوّرة للخليفة المعز لدين الله وسماها «القاهرة»، الاسم الذي تحمله المدينة إلى اليوم. وخلال سنوات قليلة كان للمدينة الجديدة جامعها الكبير، الأزهر، الذي غدا واحدًا من أقدم مراكز العلم العاملة بلا انقطاع في العالم. لم تكن القاهرة أول عاصمة إسلامية لمصر، لكنها صارت العاصمة التي استوعبت كل ما سبقها.

وما زال العمود الفقري لتلك المدينة الفاطمية باقيًا في شارع المعز، الممتد من باب الفتوح شمالًا نحو باب زويلة جنوبًا. وعلى مسافة كيلومتر تقريبًا يمر الشارع بمبانٍ من العصور الفاطمية والأيوبية والمملوكية والعثمانية تقف كتفًا إلى كتف، ولهذا كثيرًا ما يوصف بأنه من أعظم التجمعات المفتوحة لعمارة العصور الإسلامية الوسيطة في أي مكان. والسير فيه أقرب ما يكون إلى تقليب صفحات تاريخ القاهرة على مستوى الشارع.

وتكافئ المعالمُ التأملَ البطيء. فمجموعة السلطان قلاوون، من أواخر القرن الثالث عشر، جمعت في واجهة واحدة قبةً ضريحية ومدرسة وبيمارستانًا، أي رعاية عامة وسيطة منحوتة في الحجر. ويعرض جامع الأقمر الفاطمي الصغير بعضًا من أقدم الواجهات الحجرية المزخرفة المطلة على الشارع في المدينة. أما سبيل وكُتّاب عبد الرحمن كتخدا فاختراع قاهري خالص: سبيل في الأسفل يوزع الماء مجانًا، وكُتّاب في الأعلى يوزع التعليم مجانًا. وعلى مقربة يحفظ بيت السحيمي صورة حية لكيفية عيش الأسر الموسرة فعلًا.

وإلى الجنوب من ذلك كله، وأقدم من المدينة الفاطمية نفسها، تقع مصر القديمة. نواتها حصن بابليون الذي بناه الرومان عند نقطة استراتيجية على النيل قبل الفتح العربي بقرون. وداخل أبراجه الباقية وحولها نما الحي الذي يسميه المصريون القاهرة القبطية: كنائس ودير ومعبد يهودي، واليوم المتحف القبطي. ومن يقف على حجارة رومانية تحت كنائس وسيطة يعيش الطبقات الحقيقية للمدينة: فالقاهرة لم تمحُ ما سبقها، بل استقرت فوقه.

وتحمل الكنائس ذاكرة الحي. فالكنيسة المعلقة اكتسبت اسمها من بنائها معلقة فوق بوابة من بوابات الحصن الروماني. وتضم كنيسة القديسين سرجيوس وواخس، المعروفة بأبي سرجة، سردابًا يربطه التقليد القبطي برحلة العائلة المقدسة في مصر. وتحفظ كنيسة القديسة بربارة أعمالًا خشبية وسيطة رفيعة. أما معبد بن عزرا فذاع صيته عالميًا بفضل «الجنيزة»، حجرة الوثائق المهجورة التي فتحت دراستُها نافذة لا نظير لها على حياة المتوسط في العصور الوسطى.

وعلى مسافة سير قصيرة يقوم جامع عمرو بن العاص، الذي أُسس في القرن السابع بالفسطاط ويُذكر بوصفه أول مسجد في مصر وأفريقيا؛ أُعيد بناؤه مرات كثيرة، لكن موقعه لم يتوقف يومًا عن أن يكون مكانًا للصلاة. والقرب هنا هو جوهر الأمر: ففي نطاق مئات الأمتار يستطيع الزائر أن يقف في مسجد من صدر الإسلام وكنائس من قرون مصر المسيحية ومعبد لجاليتها اليهودية. يسمي القاهريون هذا «مجمع الأديان»، وهو هوية المدينة في صورة مصغرة.

ويمتد المتحف المفتوح إلى ما وراء الحيّين. فجامع ابن طولون من القرن التاسع، بمئذنته الملوية وصحنه الشاسع، من أقدم مساجد المدينة الباقية قريبة من هيئتها الأولى. ومدرسة السلطان حسن من القرن الرابع عشر هي العمارة المملوكية الضخمة في أجرأ صورها. وفوقهما تعلو قلعة صلاح الدين التي توّجها لاحقًا مسجد محمد علي ذو الطراز العثماني، بقبابه ومآذنه الرشيقة التي ترسم أفق القاهرة. كل عصر أضاف طبقة، ولم يمحُ أي منها ما قبله.

لم يكن هذا البقاء أمرًا مضمونًا، بل ثمرة قصة ترميم طويلة. ففي العقد الأول من الألفية أعاد مشروع حكومي كبير تأهيل شارع المعز: جُددت البنية التحتية تحت الطريق، ونُظفت الواجهات والآثار ورُممت، وقُيدت حركة السيارات لصالح المشاة، وصُممت إضاءة مسائية تُظهر الآثار بعد الغروب. وأعيد افتتاح الشارع متحفًا مفتوحًا مُدارًا، وصار المشروع نموذجًا يُظهر أن صون التراث في القاهرة يعني إصلاح الصرف والأسلاك بقدر ما يعني ترميم الحجر.

وجاء فصل آخر من مؤسسة الآغا خان للثقافة التي حولت تلًا من الردم تراكم قرونًا على طرف المدينة إلى حديقة الأزهر التي افتُتحت عام 2005. وكشف الحفر عن قطاع طويل مدفون من سور القاهرة الأيوبي جرى تنقيبه وترميمه، وامتد المشروع إلى حي الدرب الأحمر المجاور جامعًا بين صون الآثار وإصلاح المساكن والتدريب على الحرف. وفي مصر القديمة، في الأثناء، خضع المتحف القبطي، الذي أُسس عام 1908 لحفظ تراث مصر المسيحية، لتجديد شامل وأعيد افتتاحه عام 2006.

إن ما يجعل القاهرة التاريخية فريدة هو أنها لم تتحول قط إلى متحف بالمعنى المتجمد. فالناس يعيشون ويتاجرون ويصلّون ويشربون الشاي بين الآثار، وما زال الحرفيون يطرقون النحاس في أزقة شغلتها حرفهم أجيالًا. تلك عظمتها وتلك معضلتها، لأن الصون في مدينة مأهولة يجب أن يخدم سكانها لا أن يزيحهم. أما الزائر فقواعده بسيطة: احتشام في اللباس، واستئذان قبل تصوير الناس، وتذكّر أن الحي بيت لأهله. والمكافأة مدينة تتيح لك أن تلمس ألف عام بيدك.

مواد ذات صلة

صورة بالأبيض والأسود من العصر الذهبي للسينما المصرية تُظهر أحد نجوم الكلاسيكيات أو إحدى دور العرض التاريخية في القاهرة
الفن والثقافة

هوليوود على النيل: العصر الذهبي للسينما المصرية

على مدى ثلاثة عقود جعلت استوديوهات القاهرة مصرَ عاصمة السينما في العالم العربي. من تأسيس استوديو مصر عام 1935 إلى فاتن حمامة وعمر الشريف و«باب الحديد»، هكذا بُني العصر الذهبي، ولماذا ما زالت كلاسيكياته بالأبيض والأسود تُعرض حتى اليوم.

١٨ أغسطس ٢٠٢٦ · ٦ دقائق قراءة

سور الصين العظيم يتلوى فوق سلاسل جبلية خضراء ممتدًا نحو الأفق
الحقيقةزائف

هل يُرى سور الصين العظيم من القمر؟ رواد الفضاء حسموا الإجابة

معلومة محببة في الكتب المدرسية: سور الصين العظيم هو البناء البشري الوحيد المرئي من القمر. رواد الفضاء الذين ذهبوا — وأول رائد فضاء صيني نفسه — يقولون غير ذلك، والبصريات تؤيدهم. أما ما يُرى فعلًا من الفضاء، من أضواء المدن إلى دلتا النيل المتوهجة، فقصة أجمل. الحكم: خاطئ.

١٨ أغسطس ٢٠٢٦ · ٥ دقائق قراءة

برتقال وحمضيات طازجة على بسطة في السوق، مصدر يومي مألوف لفيتامين سي
الحقيقةدقيق جزئياً

هل يقي فيتامين سي من نزلات البرد؟ ما تُظهره عقود من التجارب فعلًا

ملايين يقسمون بفيتامين سي عند أول عطسة. لكن عقودًا من التجارب المنضبطة تروي قصة أدق: لا يقي معظم الناس من نزلات البرد، وقد يقصّرها قليلًا إذا أُخذ بانتظام مسبقًا — ولا تظهر وقاية حقيقية إلا لدى عدّائي الماراثون والمتزلجين والجنود تحت إجهاد شديد. الحكم: صحيح جزئيًا.

١٨ أغسطس ٢٠٢٦ · ٥ دقائق قراءة