تخطَّ إلى المحتوى

العاصمة الإدارية الجديدة: ما هي وكيف تنتقل الحكومة ولماذا يستمر الجدل حول التكلفة؟

على بعد نحو 45 كيلومترًا شرق القاهرة تبني مصر مقرًا جديدًا للحكم من الصفر. ما العاصمة الإدارية الجديدة؟ وكيف يجري الانتقال المرحلي للوزارات؟ وكيف ترتبط بالقاهرة؟ ولماذا تظل تكلفتها موضع جدل حقيقي وموثق؟

نُشر في ١٨ أغسطس ٢٠٢٦·٥ دقائق قراءة
منظر للعاصمة الإدارية الجديدة شرق القاهرة يُظهر أفق حي المال والأعمال مع البرج الأيقوني والمباني الحكومية الجديدة وسط الصحراء.

على بعد نحو خمسة وأربعين كيلومترًا شرق القاهرة، وعلى أرض صحراوية بمحاذاة طريق السويس، تبني مصر مدينة جديدة بالكامل أُريد لها أن تصبح مقر الحكم. أُعلن عن المشروع في مارس 2015 خلال مؤتمر اقتصادي في شرم الشيخ، وتُعد العاصمة الإدارية الجديدة أكبر مشروعات المدن الجديدة في البلاد على الإطلاق. يشرح هذا التقرير ماهية المدينة، وكيف يجري الانتقال المرحلي للجهاز الحكومي، وكيف ترتبط بالقاهرة، ولماذا ظلت تكلفتها موضوعًا لجدل عام موثق.

على الورق، يمتد المشروع على نحو سبعمائة كيلومتر مربع، وهي مساحة كثيرًا ما تُقارن بمساحة سنغافورة. وتتضمن الخطة العامة حيًا حكوميًا يضم الوزارات ومجلس الوزراء، ومقرًا جديدًا للبرلمان، وحيًا رئاسيًا، وحيًا للمال والأعمال يتوسطه البرج الأيقوني، وحيًا دبلوماسيًا للسفارات، وأحياء سكنية وجامعات، ومتنزهًا مركزيًا ضخمًا يُعرف بـ«النهر الأخضر»، ومنشآت رياضية. ويتحدث المخططون عن مدينة قد تستوعب ملايين السكان في نهاية المطاف، وإن كان بناء المجتمعات السكانية أبطأ كثيرًا من بناء الأبراج.

يبدأ المنطق الرسمي للمشروع من القاهرة الكبرى نفسها؛ فهي حاضرة يتجاوز سكانها العشرين مليونًا بكثير، وتنوء شوارعها ومرافقها ومساكنها تحت ضغط نمو لا يتوقف. وظلت الوزارات تعمل لعقود من مبانٍ قديمة مزدحمة متناثرة في وسط القاهرة، بما يعقّد الإدارة اليومية والمرور معًا. وقد دأبت مصر منذ سبعينيات القرن الماضي على بناء مدن تابعة — مثل السادس من أكتوبر والقاهرة الجديدة والعاشر من رمضان — لسحب النمو خارج الشريط الضيق لوادي النيل، وتمثل العاصمة الإدارية الفصل الأكثر طموحًا في تلك السياسة الممتدة.

تتولى تطوير المدينة شركة العاصمة الإدارية للتنمية العمرانية، المعروفة اختصارًا بـ«أكود»، التي تجمع ملكيتها بين جهات أراضٍ تابعة للقوات المسلحة ووزارة الإسكان. وكرر المسؤولون وصف المشروع بأنه يموّل نفسه بنفسه: فالشركة تبيع الأراضي المرفّقة والعقارات للمطورين وتستخدم العائد في تمويل البنية التحتية بدلًا من السحب المباشر من موازنة الدولة. غير أن اقتصاديين ومنتقدين تساءلوا عن مدى اكتمال هذا الفصل عمليًا، مشيرين إلى ضمانات وعقود عامة وقروض تتصل في نهاية المطاف بالمالية العامة.

باتت معالم عدة تحدد ملامح أفق المدينة؛ فالبرج الأيقوني في حي المال والأعمال يوصف على نطاق واسع بأنه أعلى مبنى في أفريقيا، ويؤطر مسجد الفتاح العليم وكاتدرائية ميلاد المسيح — التي افتُتحت في يناير 2019 وتُعد من أكبر الكنائس في الشرق الأوسط — العمارة الدينية للمدينة. ويكتمل الانطباع الأول المتعمد في ضخامته بممشى حكومي واسع، ومجمع ثماني الأضلاع لوزارة الدفاع، وجامعات جديدة، ومدينة للفنون والثقافة، وسارية علم شاهقة.

جرى انتقال الحكومة على مراحل مقصودة؛ فبعد سنوات من البناء والتشغيل التجريبي، بدأت الوزارات نقل موظفيها إلى الحي الحكومي تدريجيًا، بدءًا بمجموعات رائدة من الموظفين قبل التوسع في النقل. وانتقلت اجتماعات مجلس الوزراء وجلسات البرلمان والمهام الرئاسية شرقًا بالتدريج. ويشمل الانتقال عشرات الآلاف من الموظفين، وترتيبات جديدة للرواتب والانتقالات، وتحولًا رقميًا في إجراءات العمل يقدمه المسؤولون بوصفه فرصة لتحديث الإدارة ذاتها لا مجرد تغيير عنوانها.

ولأن معظم الموظفين ما زالوا يقيمون في القاهرة الكبرى، تمثل وسائل النقل الاختبار اليومي للمشروع. يربط قطار كهربائي خفيف المدينة بمحطة عدلي منصور التبادلية حيث يلتقي بالخط الثالث لمترو القاهرة، ويجري إنشاء قطار معلق «مونوريل» ليصل شرق القاهرة بأحياء العاصمة الجديدة، كما تخدم المدينة حافلات إقليمية وشبكة طرق آخذة في الاتساع، مع خطط لقطارات فائقة السرعة. وبالنسبة إلى المنتقلين يوميًا تظل تكلفة الرحلة ومدتها حقيقتين حاسمتين في حياتهم.

التكلفة هي النقطة التي يحتدم عندها الجدل الموثق أكثر من غيرها. فالتقديرات المتداولة عبر السنوات لإجمالي البناء الكامل تصل إلى عشرات المليارات من الدولارات، ولا تتوافر أرقام نهائية مدققة معلنة. وتساءل منتقدون — بينهم اقتصاديون مصريون وأصوات معارضة — عما إذا كان ينبغي لدولة تحمل دينًا خارجيًا ثقيلًا أن تقدّم عاصمة جديدة على تطوير المدن القائمة والمدارس والمستشفيات. ويرد المؤيدون بأن بيع الأراضي يمول الأعمال وبأن المشروع يجتذب الاستثمار. إنه خلاف حقيقي ومستمر ويستحق أن يُفهم كما هو.

ويطرح مخططون عمرانيون أسئلة تتجاوز المال: هل يؤدي جذب الحكومة والأعمال شرقًا إلى إفراغ القاهرة التاريخية من الحياة، أم يخفف عنها بما يسمح بترميم قلبها التراثي؟ وهل تستطيع مدينة خُططت حول طرق عريضة ومجمعات مسوّرة أن تنمّي حياة الشارع التي تمنح المدن المصرية حيويتها؟ وكيف تُؤمَّن المياه والخدمات والإسكان الميسور في الصحراء على هذا النطاق؟ على هذه الأسئلة سيتوقف الحكم البعيد المدى على المشروع.

يقدم التاريخ سوابق متباينة؛ فالعواصم المبنية لغرض محدد مثل برازيليا وإسلام آباد وأبوجا وأستانا استغرقت عقودًا لتتحول من مواقع إدارية إلى مدن حية، وبعضها لم يكتمل تحوله قط. عاصمة مصر الجديدة تؤدي بالفعل وظيفتها مقرًا للحكم، أما أن تصبح مكانًا يعيش فيه الملايين ويعملون وينتمون إليه حقًا فقصة ستتكشف على مدى جيل كامل. وحتى ذلك الحين، فإن الخلاصة الأكثر إنصافًا هي أن المدينة قائمة، وأن الانتقال جارٍ، وأن الجدل حول ثمنها وأولوياتها مستمر.

مواد ذات صلة

سوق شعبي مصري مزدحم يعرض فيه الباعة الخضار والفاكهة على البسطات بينما يتفحص المتسوقون البضائع ويقارنون الأسعار.
الأخبار العامة

الجنيه وسلة التسوق: كيف يعمل التضخم في السوق وكيف تتكيف الأسر المصرية؟

لماذا تزداد سلة الأرز والزيت والخضار نفسها غلاءً كل موسم حتى في السلع المزروعة محليًا؟ شرح مبسط لكيفية انتقال أثر التضخم وقيمة الجنيه من الموانئ إلى بسطات السوق، ودور الدعم في تخفيف الصدمة، والاستراتيجيات المجربة التي تتكيف بها الأسر.

١٨ أغسطس ٢٠٢٦ · ٥ دقائق قراءة

سور الصين العظيم يتلوى فوق سلاسل جبلية خضراء ممتدًا نحو الأفق
الحقيقةزائف

هل يُرى سور الصين العظيم من القمر؟ رواد الفضاء حسموا الإجابة

معلومة محببة في الكتب المدرسية: سور الصين العظيم هو البناء البشري الوحيد المرئي من القمر. رواد الفضاء الذين ذهبوا — وأول رائد فضاء صيني نفسه — يقولون غير ذلك، والبصريات تؤيدهم. أما ما يُرى فعلًا من الفضاء، من أضواء المدن إلى دلتا النيل المتوهجة، فقصة أجمل. الحكم: خاطئ.

١٨ أغسطس ٢٠٢٦ · ٥ دقائق قراءة

برتقال وحمضيات طازجة على بسطة في السوق، مصدر يومي مألوف لفيتامين سي
الحقيقةدقيق جزئياً

هل يقي فيتامين سي من نزلات البرد؟ ما تُظهره عقود من التجارب فعلًا

ملايين يقسمون بفيتامين سي عند أول عطسة. لكن عقودًا من التجارب المنضبطة تروي قصة أدق: لا يقي معظم الناس من نزلات البرد، وقد يقصّرها قليلًا إذا أُخذ بانتظام مسبقًا — ولا تظهر وقاية حقيقية إلا لدى عدّائي الماراثون والمتزلجين والجنود تحت إجهاد شديد. الحكم: صحيح جزئيًا.

١٨ أغسطس ٢٠٢٦ · ٥ دقائق قراءة