تخطَّ إلى المحتوى

قناة السويس: الممر المصري في قلب التجارة العالمية

خط مائي رفيع بطول 193 كيلومترا يمر عبره نحو عُشر التجارة العالمية المنقولة بحرا. من حفر 1869 إلى تأميم 1956 وتوسعة 2015 وجنوح «إيفر جيفن»، نروي قصة الممر الذي يجعل من مصر عقدة لا غنى عنها في شرايين الاقتصاد العالمي.

نُشر في ١٨ أغسطس ٢٠٢٦·٨ دقائق قراءة
سفينة حاويات ضخمة محملة بالحاويات المكدسة تعبر قناة السويس بين ضفتين صحراويتين

على الخريطة ليست سوى خط أزرق رفيع يشق الصحراء بطول نحو 193 كيلومترا، لكنها في الاقتصاد العالمي واحد من أهم الطرق المختصرة التي حفرها الإنسان؛ فقناة السويس تصل البحر المتوسط بالبحر الأحمر وتوفر على السفن رحلة الالتفاف الطويلة حول أفريقيا، ويمر عبرها ما تقدره المصادر عادة بنحو عُشر التجارة العالمية المنقولة بحرا أو يزيد. وهي لمصر أصل استراتيجي ومصدر رئيسي للعملة الصعبة ورمز للسيادة الوطنية في آن واحد.

افتُتحت القناة عام 1869 بعد نحو عشر سنوات من الحفر الذي قاده الفرنسي فرديناند دو لسبس وتحملت أعباءه الكبرى سواعد عشرات الآلاف من العمال المصريين في ظروف قاسية، واحتفل العالم بافتتاحها في واحد من أضخم الأحداث الدولية في القرن التاسع عشر. ومنذ ذلك اليوم تغيرت خرائط الملاحة العالمية إلى الأبد.

وتتميز القناة بأنها ممر على مستوى سطح البحر بلا أهوسة، على خلاف قناة بنما، وهو ما يبسّط العبور؛ إذ تمر السفن في قوافل منظمة توقيتاتها بدقة، وتستغرق الرحلة الكاملة بين المدخلين ما بين عشر ساعات وبضع عشرة ساعة بحسب الاتجاه وكثافة الحركة.

وفي يوليو 1956 أمم الرئيس جمال عبد الناصر شركة قناة السويس، فكان القرار شرارة العدوان الثلاثي وواحدة من أكثر لحظات التاريخ المصري الحديث حضورا في الوجدان الوطني؛ فمنذ ذلك الحين صارت القناة في نظر المصريين ملكا وطنيا خالصا تديره هيئة قناة السويس المصرية.

وأُغلقت القناة أمام الملاحة ثماني سنوات كاملة بين 1967 و1975 بعد الحروب مع إسرائيل، وعلقت في بحيراتها سفن ظلت راسية سنوات طويلة حتى عُرفت باسم «الأسطول الأصفر» لما غطاها من رمال الصحراء، قبل أن يعاد افتتاح الممر عام 1975 وتعود الحركة إليه تدريجيا.

وفي عام 2015 افتُتح مشروع توسعة كبير عُرف بقناة السويس الجديدة: تفريعة موازية بطول نحو 35 كيلومترا مع تعميق قطاعات أخرى من المجرى الأصلي، بما سمح بمرور مزدوج في أجزاء من القناة وقلّص أزمنة الانتظار والعبور. وجرى تمويل المشروع محليا بطرح شهادات استثمار أقبل عليها المواطنون على نطاق واسع.

وتعبر القناة في الأوقات العادية عشرات السفن يوميا وما يقارب عشرين ألف سفينة أو يزيد في السنوات النشطة، وتدر رسوم العبور مليارات الدولارات سنويا، وقد اقتربت الإيرادات في أفضل أعوامها من عتبة تسعة مليارات دولار أو تجاوزتها، لتظل القناة مع السياحة وتحويلات المصريين بالخارج في صدارة موارد النقد الأجنبي للبلاد.

وفي مارس 2021 ذكّرت حادثة جنوح سفينة الحاويات العملاقة «إيفر جيفن» العالم كله بمكانة الممر؛ فقد سدت السفينة المجرى ستة أيام تكدست خلالها مئات السفن عند المدخلين، وقدّر محللون قيمة التجارة المعطلة بمليارات الدولارات يوميا، وتابعت شاشات العالم عمليات التعويم ساعة بساعة حتى تحرر الممر.

وليست مكانة القناة بمنأى عن الجغرافيا السياسية؛ فطريق رأس الرجاء الصالح البديل يضيف إلى الرحلة أسبوعا أو أكثر ووقودا باهظ الكلفة، لكن فترات التوتر الأمني في البحر الأحمر دفعت شركات ملاحة كبرى إلى الالتفاف حول أفريقيا مؤقتا بما خفض أعداد العابرين والإيرادات، في تذكير بأن دخل القناة مرآة لأحوال الإقليم والعالم.

ولا تكتفي مصر اليوم بدور المعبر؛ فالمنطقة الاقتصادية لقناة السويس تضم موانئ ومناطق صناعية ولوجستية في العين السخنة وشرق بورسعيد وغيرهما، ضمن طموح لتحويل ضفتي القناة إلى مركز عالمي للصناعة والخدمات البحرية والتموين وإعادة الشحن، لا مجرد ممر تدفع السفن رسوم عبوره ثم تمضي.

وتبقى القناة في الوجدان المصري أكثر من مشروع اقتصادي؛ فهي حاضرة في مناهج المدارس وذاكرة التأميم وأغاني الحقبة الوطنية، وشاهد يومي على موقع مصر الفريد حيث تلتقي قارات العالم القديم، وحيث يمر جزء من دورة الاقتصاد العالمي كل صباح عبر مياه مصرية خالصة.

مواد ذات صلة

جانب من أحد الاجتماعات التفاوضية حول سد النهضة الإثيوبي عام 2019
الأخبار العالمية

ملف سد النهضة كما هو موثق: ماذا تريد مصر والسودان وإثيوبيا؟

منذ عام 2011 انتقل ملف سد النهضة من اللجان الثلاثية إلى الاتحاد الأفريقي فمجلس الأمن الدولي. دليل محايد إلى ما طالبت به كل من مصر والسودان وإثيوبيا فعلًا، ولماذا لا يزال الاتفاق الملزم بعيد المنال.

١٨ أغسطس ٢٠٢٦ · ٦ دقائق قراءة

الأخبار العالمية

المصريون في الخارج: جالية بالملايين وشريان تحويلات وروابط ثقافية لا تنقطع

من مستشفيات الخليج إلى صيدليات تورونتو، يعيش ملايين المصريين ويعملون خارج بلادهم. ما حجم الجالية؟ ولماذا تُعد تحويلاتها أحد أهم مصادر مصر من العملة الصعبة؟ وكيف تُبقي كرة القدم والمطبخ والدين روابط الوطن حية عبر الأجيال؟

١٨ أغسطس ٢٠٢٦ · ٥ دقائق قراءة

سور الصين العظيم يتلوى فوق سلاسل جبلية خضراء ممتدًا نحو الأفق
الحقيقةزائف

هل يُرى سور الصين العظيم من القمر؟ رواد الفضاء حسموا الإجابة

معلومة محببة في الكتب المدرسية: سور الصين العظيم هو البناء البشري الوحيد المرئي من القمر. رواد الفضاء الذين ذهبوا — وأول رائد فضاء صيني نفسه — يقولون غير ذلك، والبصريات تؤيدهم. أما ما يُرى فعلًا من الفضاء، من أضواء المدن إلى دلتا النيل المتوهجة، فقصة أجمل. الحكم: خاطئ.

١٨ أغسطس ٢٠٢٦ · ٥ دقائق قراءة