تخطَّ إلى المحتوى

ملف سد النهضة كما هو موثق: ماذا تريد مصر والسودان وإثيوبيا؟

منذ عام 2011 انتقل ملف سد النهضة من اللجان الثلاثية إلى الاتحاد الأفريقي فمجلس الأمن الدولي. دليل محايد إلى ما طالبت به كل من مصر والسودان وإثيوبيا فعلًا، ولماذا لا يزال الاتفاق الملزم بعيد المنال.

نُشر في ١٨ أغسطس ٢٠٢٦·٦ دقائق قراءة
جانب من أحد الاجتماعات التفاوضية حول سد النهضة الإثيوبي عام 2019

قليلة هي الملفات في الدبلوماسية الأفريقية التي أثارت من التفاوض والوساطة والتغطية الإخبارية ما أثاره ملف سد النهضة الإثيوبي الكبير، المشروع الكهرومائي الضخم الذي أقامته إثيوبيا على النيل الأزرق. فمنذ إعلان بدء الإنشاءات عام 2011، نوقش السد في لجان ثلاثية وقمم رئاسية وفي الاتحاد الأفريقي، بل وصل إلى مجلس الأمن الدولي. ومع ذلك كثيرًا ما يُختزل الملف في شعارات. وفهمه فهمًا صحيحًا يعني معرفة ما قالته كل دولة من الدول الثلاث — مصر والسودان وإثيوبيا — إنها تريده فعلًا، وأين تتصادم تلك المواقف الموثقة.

يقع السد على النيل الأزرق في إقليم بني شنقول-قماز الإثيوبي، على بعد نحو خمسة عشر كيلومترًا من الحدود السودانية. وهو أكبر مشروع كهرومائي في أفريقيا، صُمم حول بحيرة تخزين تسع نحو 74 مليار متر مكعب من المياه. وموقعه لا يقل أهمية عن حجمه: فالنيل الأزرق، الذي ينبع من الهضبة الإثيوبية، يمد النهر بالنصيب الأكبر من المياه التي تصل في نهاية المطاف إلى السودان ومصر. ولذلك فإن ما يجري على هذا الجزء من النهر يُحَس أثره، مباشرة أو بصورة غير مباشرة، على امتداد وادي المصب كله.

يقوم الموقف الإثيوبي، المعلن باتساق منذ أكثر من عقد، على ركيزتي التنمية والسيادة. فعشرات الملايين من الإثيوبيين يعيشون بلا كهرباء، وتقدم أديس أبابا السد باعتباره قاطرة التصنيع وكهربة الريف، وقد مُوّل في معظمه من موارد محلية بينها حملات سندات شعبية. ويشدد المسؤولون الإثيوبيون على أن السد الكهرومائي لا يستهلك المياه بل يمررها عبر التوربينات، ويرفضون اتفاقيات النيل الموقعة في الحقبة الاستعمارية والتي لم تكن إثيوبيا طرفًا فيها. والمشروع في روايتهم حق وطني يُمارَس على أرض إثيوبية من دون نية — كما يقولون — لإلحاق الضرر بجيران المصب.

أما الموقف المصري فينطلق من حقيقة جغرافية استثنائية: فمصر من أكثر دول العالم اعتمادًا على مصدر مائي واحد، إذ تعتمد على النيل في الغالبية الساحقة من مياهها العذبة بينما أمطارها شبه معدومة. وتستند القاهرة إلى اتفاقية عام 1959 مع السودان التي خصصت لمصر 55.5 مليار متر مكعب سنويًا، وتتحدث عن حقوق تاريخية تراكمت عبر آلاف السنين من الاستقرار على ضفاف النهر. وتقول مصر إنها لا تعارض التنمية الإثيوبية من حيث المبدأ؛ لكن ما طالبت به في كل جولة تفاوض هو اتفاق قانوني ملزم ينظم ملء السد وتشغيله، وفي مقدمة ذلك سنوات الجفاف.

وموقف السودان الموثق هو الأكثر تركيبًا بين المواقف الثلاثة. فقد أقر مسؤولون سودانيون بمنافع محتملة: نيل أزرق منتظم الجريان قد يحد من الفيضانات الموسمية المدمرة، والسد يمكن أن يوفر كهرباء. وفي الوقت نفسه أثارت الخرطوم مخاوف مستمرة بشأن السلامة والتنسيق، لأن سد الروصيرص السوداني يقع على مسافة قصيرة أسفل السد الإثيوبي، ويعتمد تشغيله على معرفة كميات المياه التي سيطلقها السد الإثيوبي وتوقيت إطلاقها. ولذلك اصطف السودان مع مصر في المطالبة بإطار قانوني ملزم يغطي التشغيل والتبادل المستمر للبيانات.

ويمتد سجل المفاوضات إلى السنوات الأولى للمشروع. فقد راجعت لجنة دولية من الخبراء، ضمت أعضاء من الدول الثلاث، وثائق السد وأوصت عام 2013 بإجراء دراسات إضافية لآثاره على دولتي المصب. وجاءت المحطة الأبرز في مارس 2015 حين وقّع قادة مصر والسودان وإثيوبيا إعلان المبادئ في الخرطوم. وقد ألزم ذلك الإعلان الدول الثلاث بمبادئ مألوفة في القانون الدولي للمياه: التعاون، والاستخدام المنصف والمعقول، وتجنب إحداث ضرر ذي شأن، والاتفاق على قواعد الملء الأول للخزان وتشغيله السنوي.

غير أن تحويل تلك المبادئ إلى اتفاق تشغيل ثبت أنه أصعب بكثير. ففي أواخر 2019 دخلت الدول الثلاث مفاوضات استضافتها واشنطن بحضور وزارة الخزانة الأمريكية والبنك الدولي بصفة مراقبين، وأُعدت مسودة نص، لكن إثيوبيا لم تحضر الجلسة الختامية ولم توقع، واصفة المسودة بأنها غير متوازنة. ثم انتقلت المفاوضات إلى مسار الاتحاد الأفريقي في ظل رئاسات متعاقبة. وفي عام 2021 تناول مجلس الأمن الدولي الملف وأصدر بيانًا رئاسيًا يشجع الأطراف على استئناف المفاوضات بقيادة الاتحاد الأفريقي وصولًا إلى اتفاق مقبول من الجميع — تاركًا الملف، رسميًا، في أيدٍ أفريقية.

وعلى الأرض مضت إثيوبيا منفردة في ملء الخزان، فنفذت مراحل متعاقبة خلال مواسم الأمطار منذ عام 2020 وأعلنت اكتمال كل مرحلة عامًا بعد عام. وبدأت أولى توربينات السد توليد الكهرباء عام 2022، وأعلنت إثيوبيا اكتمال الملء عام 2023، ثم افتُتح المشروع رسميًا في سبتمبر 2025. واعترضت مصر والسودان على كل خطوة أحادية في رسائل إلى مجلس الأمن، محتجّتين بأن ملء السد وتشغيله من دون اتفاق ملزم يخالف إعلان مبادئ 2015. ورفضت إثيوبيا هذه القراءة وأكدت أن الملء لم يُحدث ضررًا موثقًا في دولتي المصب.

وإذا نُحّيت الخطابة جانبًا، فإن جوهر الخلاف قانوني أكثر منه هيدرولوجي. فمصر والسودان تريدان معاهدة ملزمة تتضمن بروتوكولات واضحة للجفاف — قواعد تحدد كميات المياه التي يجب أن يطلقها السد إذا تزامن جفاف ممتد مع تشغيله — إضافة إلى آلية ملزمة لفض المنازعات. بينما تفضل إثيوبيا قواعد استرشادية مرنة يمكنها تعديلها، بحجة أن الالتزامات الملزمة بالإطلاق تعني عمليًا الاعتراف بحصص مائية ثابتة لدولتي المصب وقد تقيد مشروعات مستقبلية في أعالي النهر. وكل جولة تفاوض انهارت اصطدمت في النهاية بهذا الانقسام نفسه بين معاهدة وقواعد استرشادية.

فماذا يعني الملء فعليًا لدولتي المصب؟ هنا لا يمكن بأمانة إلا نقل المواقف الموثقة. فقد حذر مسؤولون مصريون من أن جفافًا يمتد سنوات أثناء تشغيل السد، في غياب قواعد متفق عليها، قد يفرض تخفيضات مؤلمة في المياه التي تصل إلى مزارع مصر ومدنها. ويرد مسؤولون إثيوبيون بأن مراحل الملء جرت في مواسم مطيرة ولم تُحدث — بحسب تقديرهم — نقصًا ملموسًا في المصب. أما السلطات السودانية فأبلغت أحيانًا عن جريان أكثر انتظامًا واشتكت أحيانًا أخرى من تقلبات غير معلنة عقّدت إدارة سدودها. ويظل التقييم المستقل طويل المدى رهنًا إلى حد كبير بالأمطار في السنوات المقبلة.

وتفسر الخلفية القانونية الأوسع صعوبة الوصول إلى اتفاق. فلا توجد معاهدة شاملة تلزم دول حوض النيل الإحدى عشرة جميعًا. واتفاقية الإطار التعاوني التي تتبناها دول المنابع رفضتها مصر والسودان بسبب صياغات تتعلق بالأمن المائي والإخطار المسبق. ويقدم القانون الدولي للمياه مبدأين في توتر دائم: الاستخدام المنصف والمعقول للنهر المشترك الذي تشدد عليه دول المنابع، والالتزام بعدم التسبب في ضرر ذي شأن الذي تشدد عليه دول المصب. وملف السد في جوهره اختبار لكيفية الموازنة بين هذين المبدأين.

لذلك يبقى الملف مفتوحًا حتى بعد افتتاح السد، لأن التشغيل — لا البناء — هو حيث ستلتقي مصالح الدول الثلاث عامًا بعد عام. والرهانات ليست مجردة: الأمن المائي لأكثر من مئة مليون مصري، وطموحات الكهرباء والتنمية لعدد مماثل من الإثيوبيين، وسلامة السودان وزراعته بينهما. وسواء انتهى الأمر إلى معاهدة ملزمة أو تنسيق غير رسمي أو استمرار الجمود، فإن المتابعة الدقيقة لهذه القصة تبدأ بمعرفة ما وضعته كل عاصمة فعلًا على الطاولة — وهو بالضبط ما حاول هذا الملف عرضه.

مواد ذات صلة

الأخبار العالمية

المصريون في الخارج: جالية بالملايين وشريان تحويلات وروابط ثقافية لا تنقطع

من مستشفيات الخليج إلى صيدليات تورونتو، يعيش ملايين المصريين ويعملون خارج بلادهم. ما حجم الجالية؟ ولماذا تُعد تحويلاتها أحد أهم مصادر مصر من العملة الصعبة؟ وكيف تُبقي كرة القدم والمطبخ والدين روابط الوطن حية عبر الأجيال؟

١٨ أغسطس ٢٠٢٦ · ٥ دقائق قراءة

سور الصين العظيم يتلوى فوق سلاسل جبلية خضراء ممتدًا نحو الأفق
الحقيقةزائف

هل يُرى سور الصين العظيم من القمر؟ رواد الفضاء حسموا الإجابة

معلومة محببة في الكتب المدرسية: سور الصين العظيم هو البناء البشري الوحيد المرئي من القمر. رواد الفضاء الذين ذهبوا — وأول رائد فضاء صيني نفسه — يقولون غير ذلك، والبصريات تؤيدهم. أما ما يُرى فعلًا من الفضاء، من أضواء المدن إلى دلتا النيل المتوهجة، فقصة أجمل. الحكم: خاطئ.

١٨ أغسطس ٢٠٢٦ · ٥ دقائق قراءة

برتقال وحمضيات طازجة على بسطة في السوق، مصدر يومي مألوف لفيتامين سي
الحقيقةدقيق جزئياً

هل يقي فيتامين سي من نزلات البرد؟ ما تُظهره عقود من التجارب فعلًا

ملايين يقسمون بفيتامين سي عند أول عطسة. لكن عقودًا من التجارب المنضبطة تروي قصة أدق: لا يقي معظم الناس من نزلات البرد، وقد يقصّرها قليلًا إذا أُخذ بانتظام مسبقًا — ولا تظهر وقاية حقيقية إلا لدى عدّائي الماراثون والمتزلجين والجنود تحت إجهاد شديد. الحكم: صحيح جزئيًا.

١٨ أغسطس ٢٠٢٦ · ٥ دقائق قراءة