تحت السقف الأزرق: كيف تعمل الأمم المتحدة ومن يملك «الفيتو» في مجلس الأمن؟
كلما اشتعلت أزمة سمعتَ أن مجلس الأمن اجتمع وأن دولة رفعت «الفيتو». لكن ماذا يجري فعلًا تحت السقف الأزرق؟ رحلة من قاعة الجمعية العامة إلى طاولة حدوة الحصان: كيف يولد القرار الأممي، متى يكون ملزمًا، كيف تجهضه كلمة واحدة، وأين مقعد مصر من المشهد؟

افتح أي نشرة أخبار مساء أزمة كبرى وستسمع الجملة نفسها التي حفظناها من كثرة التكرار: «مجلس الأمن يعقد جلسة طارئة». وبعدها بساعات تأتي الجملة الثانية المعتادة: «الفيتو يجهض مشروع القرار». لكن اسأل نفسك بصدق: هل تعرف ماذا يحدث فعلًا داخل تلك القاعة ذات الطاولة الشهيرة على شكل حدوة الحصان؟ ومن يملك أن يقول «لا» واحدة فتتوقف عندها إرادة العالم كله؟ في هذه السطور نصعد معًا إلى المبنى الزجاجي المطل على الإيست ريفر في نيويورك، ونفكك اللعبة قطعة قطعة، حتى تقرأ أخبار الأمم المتحدة بعد اليوم بعين مختلفة.
القصة تبدأ من ركام الحرب العالمية الثانية. في السادس والعشرين من يونيو 1945، وبعد أسابيع من المداولات في مدينة سان فرانسيسكو، وقّع مندوبو عشرات الدول وثيقة اسمها «ميثاق الأمم المتحدة»، وكانت مصر بينهم عضوًا مؤسسًا وضعت توقيعها على النسخة الأولى. دخل الميثاق حيز النفاذ في الرابع والعشرين من أكتوبر 1945، وهو التاريخ الذي يحتفل به العالم كل سنة يومًا للأمم المتحدة. بدأت المنظمة بإحدى وخمسين دولة مؤسسة، واليوم تظلل رايتها الزرقاء 193 دولة، أي كل دول العالم المعترف بها تقريبًا. أما الفكرة المؤسِّسة فكانت بسيطة وثقيلة في آن واحد: ألا تُترك البشرية تنزلق إلى حرب عالمية ثالثة.
وحين تسمع «الأمم المتحدة» فأنت لا تسمع اسم جهاز واحد بل عائلة كاملة من الأجهزة. هناك الجمعية العامة التي تجلس فيها كل الدول، ومجلس الأمن المسؤول عن السلم والحرب، ومحكمة العدل الدولية في لاهاي التي تفصل في منازعات الدول، والمجلس الاقتصادي والاجتماعي، والأمانة العامة التي يقودها الأمين العام بموظفيها المنتشرين حول العالم. وهناك جهاز سادس اسمه مجلس الوصاية أنهى مهمته التاريخية عمليًا بعد استقلال الأقاليم التي كانت موضوعة تحت الوصاية. لكن الأضواء، ومعها القوة الحقيقية، تتركز في جهازين اثنين: الجمعية العامة ومجلس الأمن، والفرق بينهما يشبه الفرق بين المنبر والمحكمة.
الجمعية العامة أقرب ما تكون إلى برلمان عالمي: لكل دولة صوت واحد، سواء كانت قوة عظمى تملك ترسانة نووية أو جزيرة صغيرة وسط المحيط. وكل سبتمبر تشاهد المشهد المعروف: رؤساء وملوك يتعاقبون على المنصة الرخامية الخضراء في نيويورك ليقول كل منهم كلمته أمام العالم. لكن انتبه إلى نقطة جوهرية يغفلها كثيرون: قرارات الجمعية العامة في القضايا السياسية توصيات لها وزن أدبي وسياسي كبير، لكنها لا تُلزم الدول قانونًا، باستثناء شؤون المنظمة الداخلية كالميزانية. صوت الجمعية مرآة للضمير العالمي، أما اليد التي تمسك أدوات الإلزام فمكانها في قاعة أخرى.
تلك اليد هي مجلس الأمن: خمسة عشر مقعدًا فقط تُدار منها أخطر ملفات الكوكب. خمسة أعضاء دائمون لا يغادرون أبدًا: الولايات المتحدة وروسيا والصين وبريطانيا وفرنسا، وهي القوى التي خرجت منتصرة من الحرب العالمية الثانية. وعشرة أعضاء منتخبون توزعهم الجمعية العامة على أقاليم العالم، يجلس كل منهم سنتين ثم يغادر، ولا يجوز له الترشح لإعادة انتخاب فورية. وقد بدأ المجلس عام 1945 بأحد عشر عضوًا، ثم وُسّع عام 1965 إلى خمسة عشر برفع المقاعد المنتخبة من ستة إلى عشرة، بعدما تضاعف عدد أعضاء المنظمة مع موجة استقلال دول آسيا وإفريقيا. حتى رئاسة المجلس تسير بالدور: تتناوب عليها الدول الخمس عشرة شهرًا بشهر وفق الترتيب الأبجدي لأسمائها بالإنجليزية.
والآن إلى قلب الماكينة: التصويت. أي قرار في مسألة موضوعية يحتاج تسعة أصوات من خمسة عشر، مع شرط قاتل: ألا يصوّت أي عضو دائم بالرفض. هذا الشرط هو «الفيتو»، وهي كلمة لاتينية معناها الحرفي «أنا أمنع». تخيل مشروع قرار حصل على أربعة عشر صوتًا مؤيدًا من خمسة عشر؛ يكفي أن ترفع دولة دائمة واحدة يدها رافضة ليسقط النص كأن لم يكن. أما امتناع العضو الدائم عن التصويت فلا يعطل القرار بحكم الممارسة المستقرة، والمسائل الإجرائية البحتة كترتيب جدول الأعمال لا فيتو فيها أصلًا.
ولماذا قبل العالم هذا الامتياز الصارخ من الأساس؟ الجواب في درس مؤلم اسمه «عصبة الأمم»، التجربة السابقة التي انهارت بين الحربين العالميتين لأن القوى الكبرى تخلت عنها أو لم تنضم إليها أصلًا. أدرك مؤسسو 1945 أن الكبار لن يدخلوا بيتًا لا يملكون مفاتيح أبوابه، فكان الفيتو ثمن جلوسهم إلى الطاولة: صمام أمان يضمن بقاءهم داخل النظام، تحول مرارًا إلى قفل يجمّده. وقد استُخدم الفيتو منذ السنوات الأولى لعمر المجلس، ثم صار سلاحًا متبادلًا طوال الحرب الباردة. والمقعد الدائم يتبع الدولة لا النظام الحاكم: فمقعد الاتحاد السوفيتي انتقل إلى روسيا بعد تفككه عام 1991، ومقعد الصين انتقل عام 1971 إلى جمهورية الصين الشعبية.
وهنا نصل إلى الفرق الذي يغيب عن كثير من العناوين: ليس كل ما يصدر عن مجلس الأمن بالقوة نفسها. فالقرارات الصادرة في إطار الفصل السادس من الميثاق، الخاص بالتسوية السلمية للمنازعات، أقرب إلى التوصية والوساطة. أما الفصل السابع فهو سيف المجلس الحقيقي: حين يقرر أن هناك تهديدًا للسلم أو عملًا عدوانيًا، يستطيع فرض عقوبات اقتصادية وحظر توريد سلاح، بل وتفويض استخدام القوة العسكرية، والميثاق نفسه يلزم الدول الأعضاء جميعًا بقبول قرارات المجلس وتنفيذها. وهناك درجة أخف من هذا كله اسمها «البيان الرئاسي»: نص يتلوه رئيس المجلس بعد توافق الأعضاء الخمسة عشر جميعًا، وهو رسالة سياسية مهمة لكنه ليس قرارًا مرقمًا يدخل سجل الإلزام. فحين تقرأ «بيان رئاسي» فاعلم أن المجلس أراد أن يتكلم من دون أن يشهر سلاحه.
تعال نتتبع رحلة قرار أممي خطوة بخطوة. تبدأ الحكاية بدولة تمسك الملف وتُعرف في أروقة المجلس بصفة «حاملة القلم»، تكتب مسودة أولى وتوزعها على الأعضاء. ثم تدور مشاورات مغلقة تُشذَّب فيها الكلمات، لأن لفظًا واحدًا مثل «يدين» بدل «يعرب عن القلق» قد يقلب موقف دولة كبرى، إلى أن يستقر النص في صيغته النهائية الجاهزة للتصويت. في القاعة تُرفع الأيدي: تسعة أصوات فأكثر بلا اعتراض من عضو دائم تعني ميلاد قرار مرقم يدخل السجلات، واعتراض واحد من عضو دائم يعني نعيًا رسميًا للمشروع مهما بلغ عدد مؤيديه. ولم يعد الفيتو بلا ثمن أدبي: فمنذ عام 2022 تنعقد الجمعية العامة تلقائيًا لمناقشة كل فيتو يُستخدم، ليقف صاحبه شارحًا موقفه أمام العالم، وقبل ذلك بعقود ابتكرت الجمعية آلية «الاتحاد من أجل السلام» عام 1950 كي تتحرك حين يُشَلّ المجلس.
وأين مصر من كل هذا؟ في قلب الصورة منذ اللحظة الأولى: وقّعت الميثاق في سان فرانسيسكو عام 1945 عضوًا مؤسسًا، قبل أن تنضم غالبية دول إفريقيا وآسيا إلى المنظمة بسنوات طويلة. ثم جلست في المقعد غير الدائم بمجلس الأمن مرات عدة عبر تاريخ المنظمة، من سنواتها الأولى إلى محطتها في عامي 2016 و2017 ممثلةً عن القارة الإفريقية. والعضو المنتخب ليس مجرد متفرج كما يظن البعض: فهو يرأس المجلس بالتناوب، ويشارك في صياغة النصوص والتفاوض عليها، وصوته واحد من الأصوات التسعة التي لا يولد قرار من دونها. الفيتو ليس في يده، صحيح، لكن القلم والمنصة والصوت في يده.
وللمصريين مع المنظمة قصة أعلى من المقاعد نفسها: الدبلوماسي المصري بطرس بطرس غالي تولى منصب الأمين العام للأمم المتحدة بين عامي 1992 و1996، أول أمين عام من إفريقيا ومن العالم العربي. وقصته تحمل درسًا بليغًا في صلب موضوعنا: فالأمين العام تعيّنه الجمعية العامة بناءً على توصية من مجلس الأمن، وتوصية التجديد له اصطدمت عام 1996 بفيتو داخل المجلس، فغادر بعد ولاية واحدة. هكذا يمتد ظل الفيتو حتى إلى اختيار الرجل الذي يقف على قمة المنظمة نفسها. واقعة واحدة كهذه تشرح النظام أكثر مما تشرحه عشرات الصفحات.
ولأن الفيتو يقف في قلب كل نقاش، يتجدد منذ عقود الجدل حول إصلاح مجلس الأمن: مطالب بمقاعد دائمة لإفريقيا وأمريكا اللاتينية وقوى صاعدة، ودعوات إلى ضبط استخدام الفيتو أو تقييده. لكن هنا المفارقة التي تفسر طول الانتظار: تعديل الميثاق يتطلب موافقة ثلثي أعضاء الجمعية العامة ثم تصديق ثلثي الدول الأعضاء، على أن تكون بينها الدول دائمة العضوية الخمس جميعًا. بمعنى أوضح: أي إصلاح يمس الفيتو يحتاج إلى توقيع أصحاب الفيتو أنفسهم. ولهذا يبقى الباب مفتوحًا للنقاش ومغلقًا على التغيير حتى إشعار آخر.
الخلاصة العملية التي أريدك أن تخرج بها أربعة أسئلة صغيرة تطرحها كلما صادفك خبر أممي. من أصدر النص: الجمعية العامة ذات الوزن الأدبي أم مجلس الأمن ذو الأنياب؟ وهل هو قرار مرقم أم مجرد بيان رئاسي توافقي؟ وإن كان قرارًا، فهل صدر تحت الفصل السابع الملزم أم بقي في إطار التوصية؟ وأخيرًا: هل مرّ بالتوافق أم سقط بفيتو أو نجا منه بأعجوبة؟ أجب عن هذه الأسئلة الأربعة وستجد أنك صرت تقرأ ما يجري تحت السقف الأزرق كما يقرؤه الدبلوماسيون: نصًا له وزن محسوب بدقة، لا مجرد عنوان عابر في نشرة مزدحمة.
مواد ذات صلة

ملف سد النهضة كما هو موثق: ماذا تريد مصر والسودان وإثيوبيا؟
منذ عام 2011 انتقل ملف سد النهضة من اللجان الثلاثية إلى الاتحاد الأفريقي فمجلس الأمن الدولي. دليل محايد إلى ما طالبت به كل من مصر والسودان وإثيوبيا فعلًا، ولماذا لا يزال الاتفاق الملزم بعيد المنال.
١٨ أغسطس ٢٠٢٦ · ٦ دقائق قراءة

المصريون في الخارج: جالية بالملايين وشريان تحويلات وروابط ثقافية لا تنقطع
من مستشفيات الخليج إلى صيدليات تورونتو، يعيش ملايين المصريين ويعملون خارج بلادهم. ما حجم الجالية؟ ولماذا تُعد تحويلاتها أحد أهم مصادر مصر من العملة الصعبة؟ وكيف تُبقي كرة القدم والمطبخ والدين روابط الوطن حية عبر الأجيال؟
١٨ أغسطس ٢٠٢٦ · ٥ دقائق قراءة

آلة التنبيه ليست متنفساً للغضب: يدٌ على «الكلاكس» تعتدي على أعصاب شارع بأكمله
يدٌ تهوي على آلة التنبيه فيقتحم الضجيج نافذتك دون استئذان. لماذا لا يُعدّ الاستعمال العشوائي لآلة التنبيه «تنفيساً عن الغضب»، بل اعتداءً صوتياً على شارع بأكمله؟ عن الحد الفاصل بين تنبيهٍ يدرأ خطراً وضجيجٍ يُمرض الناس، وعن الطب والقانون والذوق العام حين تقف جميعها في صف أذنك.
٢٥ أغسطس ٢٠٢٦ · ٧ دقائق قراءة