تخطَّ إلى المحتوى

المصريون في الخارج: جالية بالملايين وشريان تحويلات وروابط ثقافية لا تنقطع

من مستشفيات الخليج إلى صيدليات تورونتو، يعيش ملايين المصريين ويعملون خارج بلادهم. ما حجم الجالية؟ ولماذا تُعد تحويلاتها أحد أهم مصادر مصر من العملة الصعبة؟ وكيف تُبقي كرة القدم والمطبخ والدين روابط الوطن حية عبر الأجيال؟

هيئة التحرير·نُشر في ١٨ أغسطس ٢٠٢٦·٥ دقائق قراءة
الرصيف الخارجي لمبنى الركاب في مطار القاهرة الدولي، وتظهر لافتة أتوبيس النقل بين المباني ومظلة معدنية ممتدة
Alensha / Wikimedia Commons (CC BY-SA 4.0)

في أجنحة المستشفيات بالرياض والكويت، وشركات الهندسة في دبي، ومطابخ المطاعم في ميلانو، وصيدليات تورونتو، وقاعات المحاضرات في الولايات المتحدة، يعمل مصريون بعيدًا عن النيل. فمصر صاحبة واحدة من أكبر الجاليات المغتربة في العالم العربي، ويشكّل مغتربوها اقتصاد الوطن الأم وثقافته بقدر ما تشكلهم مجتمعاتهم المضيفة. يتناول هذا المقال أعدادهم، وأماكن إقامتهم، ومعنى تحويلاتهم المالية، وكيف تدوم الروابط.

إحصاؤهم بدقة أمر متعذر، والتغطية الأمينة تقول ذلك صراحة. فالتقديرات الرسمية المصرية تراوحت عبر السنوات بين عدة ملايين وما يتجاوز عشرة ملايين نسمة، تبعًا للتعريفات: عمال مؤقتون أم مهاجرون دائمون؟ مواطنون مسجلون أم كل من هم من أصل مصري؟ الجيل الأول أم أبناؤه أيضًا؟ وتستخدم إحصاءات الدول المضيفة تصنيفات مختلفة بدورها. أما ما تتفق عليه كل الأرقام فهو الحجم: جالية تُعد بالملايين وتمثل نسبة معتبرة من سكان مصر.

تقسم الجغرافيا الجالية إلى عالمين واسعين؛ فالنصيب الأكبر بحسب معظم التقديرات يقيم في الدول العربية — السعودية تاريخيًا أكبر مستضيف، إلى جانب الإمارات والكويت وقطر والأردن، وكانت ليبيا وجهة مهمة في عقود سابقة — وتُؤطَّر هذه الهجرة في معظمها بوصفها عمالة مؤقتة. أما العالم الثاني فهو الاستقرار الدائم في الغرب: إذ تحتضن الولايات المتحدة وكندا وإيطاليا وفرنسا والمملكة المتحدة وأستراليا واليونان جاليات مصرية راسخة لها أجيال ثانية وثالثة.

لهذا التدفق الكبير تاريخ؛ فقبل سبعينيات القرن العشرين كانت الهجرة محدودة وكثيرًا ما أدارتها الدولة، مع إعارة المعلمين والخبراء إلى دول عربية وأفريقية حديثة الاستقلال. ثم جاءت الطفرة النفطية بعد عام 1973، ومعها سياسة الانفتاح الاقتصادي في مصر، فحوّلتا القطرة إلى موجة: أطباء ومهندسون ومعلمون ومحاسبون وحرفيون اتجهوا إلى الخليج وليبيا، يرسلون أجورًا بنت بيوتًا وعلّمت إخوة. ونمت الهجرة إلى الغرب بالتوازي، عبر مسارات الدراسة والعمل المهني في الغالب.

التحويلات المالية هي عطاء الجالية الأكثر قابلية للقياس؛ فمصر تحتل باستمرار مرتبة بين أكبر متلقي تحويلات المهاجرين في العالم، بتدفقات بلغت عشرات المليارات من الدولارات في بعض السنوات. وهي بالنسبة إلى الاقتصاد الوطني مصدر رئيسي للعملة الصعبة — تجاوزت في سنوات كثيرة إيرادات قناة السويس أو السياحة — وخلافًا للقروض لا تنشئ دينًا. ويتقلب مستواها الدقيق مع اقتصادات الخليج ودورات النفط، والأهم مع الثقة في منظومة سعر الصرف في مصر ذاتها.

وعلى مستوى الأسرة، تُنسج التحويلات في تفاصيل الحياة اليومية؛ فهي تدفع المصاريف الدراسية والفواتير الطبية، وتبني البيوت طابقًا فوق طابق في قرى الدلتا والصعيد، وتمول الأعراس والمشروعات الصغيرة، وتعول الآباء والإخوة. ويلاحظ الاقتصاديون حساسية هذا النمط للسياسات: فحين يبتعد سعر الصرف الرسمي عن غير الرسمي تتحول التحويلات إلى قنوات غير رسمية أو إلى بضائع، وحين تضيق الفجوة يعود المال إلى البنوك. المال يتحرك دائمًا؛ والسؤال هو عبر أي طريق.

وتسافر الثقافة في الاتجاهين على الطرق ذاتها؛ فالأفلام والمسلسلات المصرية وكرة القدم — وفي مقدمتها المنتخب الوطني ونجومه — تشد المغتربين إلى الوطن، بينما تعيد تجمعات رمضان والمطاعم المصرية ومحال البقالة صنع نكهاته في الخارج. وترسو الجاليات على مؤسساتها الدينية: فالكنائس القبطية الأرثوذكسية تمتد اليوم عبر القارات مع رعايا كبيرة في أمريكا الشمالية وأستراليا، فيما تخدم المساجد والجمعيات الثقافية الجاليات المسلمة. وتعلّم مدارس الجاليات اللغة العربية لأطفال وُلدوا في المهجر.

وتتواصل الدولة المصرية مع جاليتها عبر مؤسسات مخصصة؛ فثمة حقيبة وزارية لشؤون الهجرة والمصريين بالخارج، إلى جانب السفارات والقنصليات التي تتولى الوثائق والأزمات ومؤتمرات التواصل. ومنذ التغييرات الدستورية في مطلع العقد الثاني من القرن الحادي والعشرين يصوّت المصريون في الخارج في الانتخابات الرئاسية والاستفتاءات عبر القنصليات، وتُبرز نسب مشاركتهم إعلاميًا. كما تسعى الدولة إلى اجتذاب مدخرات المغتربين عبر أوعية استثمارية خاصة — وهي مبادرات تفاوت استقبال المغتربين لها وظلت موضع نقاش.

وتُظهر الأسماء الفردية مدى امتداد الجالية؛ فجراح القلب السير مجدي يعقوب بنى مسيرة مرموقة في بريطانيا قبل أن يؤسس مراكز خيرية لعلاج القلب في مصر، وفاز الراحل أحمد زويل بجائزة نوبل في الكيمياء عام 1999 وهو في معهد كاليفورنيا للتكنولوجيا وظل شخصية عامة مصرية بارزة. ويحمل ممثلون وأكاديميون ورواد أعمال ولاعبو كرة قدم في الدوريات الأوروبية الهوية المصرية إلى ميادين عالمية — وتُتابَع نجاحاتهم في الوطن بفخر شديد وكأنها نجاحات شخصية لكل بيت.

وقصة الجالية لا تخلو من مشقة: نزاعات عمالية وقيود أنظمة الكفالة في بعض الدول المضيفة، وألم أسر تعيش متباعدة لعقود، وجدل وطني طويل حول ما إذا كان رحيل الأطباء والأكاديميين نزيفًا للعقول أم مكسبًا مؤجلًا عبر التحويلات والشبكات والمهارات العائدة. أما ما لا جدال فيه فهو الرابطة ذاتها؛ فالمصريون في الخارج يظلون — بما يرسلونه من أجور، وما يناصرونه من قضايا، وما يعلّمونه أبناءهم من عربية — امتدادًا لمصر خارج حدودها.

مشاركة

مواد ذات صلة

منظر عام لأسطح القاهرة وعماراتها المتلاصقة الممتدة حتى الأفق تحت سماء شاحبة
الأخبار العالمية

ثقب في السماء يلتئم بمعاهدة: قصة بروتوكول مونتريال ودور مصر في إنقاذ طبقة الأوزون

في 16 سبتمبر يحتفل العالم بيوم طبقة الأوزون، ذكرى معاهدة هي من أول المعاهدات في تاريخ الأمم المتحدة التي صادقت عليها كل دول الأرض، ونجحت فعلًا. من ورقة علمية في 1974 إلى توقيع مونتريال في 1987، ومن تصديق مصر المبكر في 1988 إلى تعديل كيغالي في 2023: قصة عبوة غاز التبريد في يد الفني، ولماذا يتوقع العلماء تعافي السماء حوالي 2040.

١٦ سبتمبر ٢٠٢٦ · ٧ دقائق قراءة

مندوب الجمهورية اليمنية في مقعده خلال اجتماع لجامعة الدول العربية، وأمامه علم بلاده ولافتة باسمها
الأخبار العالمية

الجامعة العربية: بيت العرب الذي تطل نوافذه على ميدان التحرير

على خطوات من ميدان التحرير يقف «بيت العرب»: من أقدم المنظمات الإقليمية في العالم، وُلد في القاهرة قبل ميثاق الأمم المتحدة نفسه. كيف تعمل قممه وأمانته؟ لماذا لا تُلزم قراراته إلا من يقبلها؟ وما حكاية الرحيل إلى تونس ثم العودة؟ جولة داخل جارٍ عتيق نمر به كل يوم ولا نكاد نعرفه.

٢ سبتمبر ٢٠٢٦ · ٧ دقائق قراءة

الأمين العام للأمم المتحدة يصافح أحد المندوبين داخل قاعة مجلس الأمن قبل بدء الجلسة
الأخبار العالمية

تحت السقف الأزرق: كيف تعمل الأمم المتحدة ومن يملك «الفيتو» في مجلس الأمن؟

كلما اشتعلت أزمة سمعتَ أن مجلس الأمن اجتمع وأن دولة رفعت «الفيتو». لكن ماذا يجري فعلًا تحت السقف الأزرق؟ رحلة من قاعة الجمعية العامة إلى طاولة حدوة الحصان: كيف يولد القرار الأممي، متى يكون ملزمًا، كيف تجهضه كلمة واحدة، وأين مقعد مصر من المشهد؟

٢٦ أغسطس ٢٠٢٦ · ٨ دقائق قراءة