تخطَّ إلى المحتوى

ثقب في السماء يلتئم بمعاهدة: قصة بروتوكول مونتريال ودور مصر في إنقاذ طبقة الأوزون

في 16 سبتمبر يحتفل العالم بيوم طبقة الأوزون، ذكرى معاهدة هي من أول المعاهدات في تاريخ الأمم المتحدة التي صادقت عليها كل دول الأرض، ونجحت فعلًا. من ورقة علمية في 1974 إلى توقيع مونتريال في 1987، ومن تصديق مصر المبكر في 1988 إلى تعديل كيغالي في 2023: قصة عبوة غاز التبريد في يد الفني، ولماذا يتوقع العلماء تعافي السماء حوالي 2040.

هيئة التحرير·نُشر في ١٦ سبتمبر ٢٠٢٦·٧ دقائق قراءة
منظر عام لأسطح القاهرة وعماراتها المتلاصقة الممتدة حتى الأفق تحت سماء شاحبة
Mike McBey / Wikimedia Commons (CC BY 2.0)

على سطح بيت في حي شعبي بالقاهرة، وفي ظهيرة من ظهائر سبتمبر التي لا ترحم، يفتح فني تكييف حقيبته المعدنية ويخرج أسطوانة غاز صغيرة يلمع عليها ملصق بأحرف وأرقام لا يلتفت إليها أحد. يوصّل الخرطوم بالوحدة الخارجية، يراقب عداد الضغط، ويمسح عرقه بكم قميصه. لا يعرف صاحب البيت، ولا ربما الفني نفسه، أن هذه الأسطوانة الصغيرة هي آخر حلقة في سلسلة طويلة بدأت في معمل بجامعة أمريكية قبل نصف قرن، ومرّت بمدينة كندية اسمها مونتريال، وانتهت بتوقيع مصري على ورقة في صيف 1988.

طبقة الأوزون، لمن لم يقابلها منذ حصة العلوم، حزام رقيق من غاز الأوزون يحيط بالأرض في الستراتوسفير على ارتفاع عشرات الكيلومترات فوق رؤوسنا. وظيفتها أن تمتص الجزء الأخطر من الأشعة فوق البنفسجية قبل أن يصل إلى بشرتنا وعيوننا ومحاصيلنا. مظلة كونية لم يصنعها أحد، وظلت تعمل بصمت ملايين السنين حتى بدأنا، دون أن نقصد، نثقبها.

القصة الحديثة بدأت عام 1974، حين نشر العالمان ماريو مولينا وشيروود رولاند ورقة في مجلة «نيتشر» العلمية تحذر من أن مركبات الكلوروفلوروكربون، المعروفة اختصارًا بـCFC، تصعد إلى الستراتوسفير وتتحلل هناك وتطلق ذرات كلور تلتهم جزيئات الأوزون واحدًا بعد الآخر. والمفارقة أن هذه المركبات كانت تُعدّ في زمنها معجزة صناعية: لا تشتعل ولا تسمّم ورخيصة، وتعمل في الثلاجات وعبوات الرش والمكيفات ورغاوي العزل. فبدا التحذير لكثيرين تنظيرًا أكاديميًا بعيدًا عن حياة الناس.

ثم جاءت الصدمة عام 1985. رصد باحثون من هيئة المسح البريطانية للقطب الجنوبي نقصًا حادًا ومتكررًا في الأوزون فوق القارة القطبية الجنوبية كل ربيع، هو ما عرفه العالم بعد ذلك باسم «ثقب الأوزون». لم يعد الأمر معادلات على السبورة، بل صورة تُعرض في نشرات الأخبار. وفي العام نفسه وقّعت الدول اتفاقية فيينا لحماية طبقة الأوزون، إطارًا عامًا أقرّ بالمشكلة دون أن يلزم أحدًا بأرقام محددة. خطوة أولى، لكنها فتحت الباب.

في 16 سبتمبر 1987 اعتُمد في مونتريال الكندية «بروتوكول مونتريال بشأن المواد المستنفدة لطبقة الأوزون»، ودخل حيز التنفيذ في الأول من يناير 1989. الفارق الجوهري أن البروتوكول لم يكتفِ بالنوايا، بل وضع جداول زمنية ملزمة لخفض إنتاج المواد الضارة واستهلاكها ثم التخلص منها. ومع تراكم الأدلة، شُدّدت الجداول ووُسّعت قائمة المواد عبر تعديلات حملت أسماء المدن التي أُقرت فيها: لندن وكوبنهاغن ومونتريال وبكين، ثم كيغالي. واليوم يغطي البروتوكول قرابة مائة مادة كيميائية في فئات عدة.

ما يجعل هذه المعاهدة استثنائية أنها، مع اتفاقية فيينا الأم، أول معاهدتين بيئيتين في التاريخ تحظيان بتصديق عالمي شامل، أي أن كل دولة عضو في الأمم المتحدة انضمت إليهما، وقد اكتمل ذلك بحلول عام 2009. ولأن ما حدث في مونتريال يستحق التذكر، أعلنت الجمعية العامة للأمم المتحدة عام 1994، بقرارها رقم 49/114، يوم 16 سبتمبر من كل عام يومًا دوليًا لحفظ طبقة الأوزون، إحياءً لذكرى التوقيع في 1987.

وأين كانت مصر من كل هذا؟ الجواب، بحسب ملف مصر لدى أمانة الأوزون التابعة لبرنامج الأمم المتحدة للبيئة، أنها لم تتأخر: صدّقت مصر على اتفاقية فيينا في 9 مايو 1988، وعلى بروتوكول مونتريال في 2 أغسطس 1988، أي قبل أن يدخل البروتوكول نفسه حيز التنفيذ بأشهر. وتُصنَّف مصر ضمن «دول المادة الخامسة»، أي الدول النامية التي مُنحت مهلًا أطول ودعمًا ماليًا وتقنيًا للوفاء بالتزاماتها. وتتولى الملف على الأرض وحدة الأوزون الوطنية التابعة لجهاز شؤون البيئة.

وواصلت مصر الطريق تعديلًا بعد تعديل. فصدّقت على تعديل لندن في 13 يناير 1993، وتعديل كوبنهاغن في 28 يونيو 1994، وتعديل مونتريال في 20 يوليو 2000، وتعديل بكين في 6 مارس 2009، وأخيرًا تعديل كيغالي في 22 أغسطس 2023. وهذه تواريخ تصديق مصر تحديدًا، لا تواريخ اعتماد التعديلات دوليًا. أما التمويل، فقد بلغ ما اعتمده الصندوق متعدد الأطراف لتنفيذ البروتوكول لصالح مصر نحو 123.78 مليون دولار حتى 31 ديسمبر 2025، وفق الملف ذاته، وُجّه إلى مشروعات تحويل الصناعة وبناء القدرات عبر العقود.

لكن ما معنى هذا كله لمصنع ثلاجات في مدينة العاشر من رمضان، أو لفني تكييف في الإسكندرية؟ المعنى أن الغاز الذي يدور في أنابيب الأجهزة تغيّر أكثر من مرة في جيل واحد. فالمصانع التي كانت تعتمد على مركبات CFC في التبريد ورغاوي العزل اضطرت إلى تعديل خطوط إنتاجها للانتقال إلى بدائل أقل ضررًا، ثم إلى بدائل أحدث حين تبيّن أن الجيل الانتقالي من المركبات، مركبات الهيدروكلوروفلوروكربون المعروفة اختصارًا بـHCFC، ليس بريئًا تمامًا هو الآخر. والفني الذي تعلّم المهنة على غاز بعينه وجد نفسه أمام أسطوانات تحتاج أدوات ومعايير مختلفة. ولا نملك، حتى تاريخ كتابة هذه السطور، أرقامًا دقيقة عن عدد المصانع المصرية المحوّلة، فنكتفي بأن التحوّل جرى بتمويل الصندوق وإشراف وحدة الأوزون.

ثم جاء تعديل كيغالي، المعتمد في 15 أكتوبر 2016، ليفتح فصلًا جديدًا. فالبدائل التي حلّت محل المواد المستنفدة للأوزون، وهي مركبات الهيدروفلوروكربون HFC، لا تؤذي الأوزون فعلًا، لكنها غازات دفيئة قوية تسهم في احترار الكوكب. ولذلك اتفق العالم على خفض استخدامها تدريجيًا. وتقدّر المنظمة العالمية للأرصاد الجوية أن تنفيذ تعديل كيغالي يمكن أن يجنّب الأرض احترارًا يتراوح بين 0.3 و0.5 درجة مئوية بحلول عام 2100. وهكذا صارت معاهدة وُلدت لحماية السماء من الأشعة أداةً لمكافحة تغيّر المناخ أيضًا.

فهل نجحت المعاهدة؟ في 9 يناير 2023 أعلنت المنظمة العالمية للأرصاد الجوية، استنادًا إلى التقييم العلمي لاستنفاد الأوزون لعام 2022 الصادر بالتعاون مع برنامج الأمم المتحدة للبيئة، أن نحو 99% من المواد المستنفدة للأوزون المحظورة قد جرى التخلص منها. وتوقّع التقييم أن تعود طبقة الأوزون إلى مستويات عام 1980 حوالي عام 2066 فوق أنتاركتيكا، وحوالي 2045 فوق القطب الشمالي، وحوالي 2040 في بقية أنحاء العالم، ومنها سماؤنا هنا. الثقب لم «يُغلق» إذن، بل هو في طريقه إلى التعافي، وهذه الأرقام تخص تقييم 2022، وقد يعدّلها التقييم العلمي التالي صعودًا أو هبوطًا.

لماذا نجح بروتوكول مونتريال حيث تعثّرت اتفاقيات كثيرة؟ على حد علمنا تجتمع ثلاثة أسباب. أولها أن العلم كان واضحًا وقابلًا للرؤية: ثقب يُقاس بالأقمار الصناعية لا جدل حوله. وثانيها أن المعاهدة صُممت لتتطور، فكلما تحسّن العلم شُدّدت الجداول بتعديل جديد بدل انتظار معاهدة من الصفر. وثالثها، وربما أهمها لدولة مثل مصر، أن الدول الغنية قبلت أن تدفع عبر صندوق متعدد الأطراف ثمن تحوّل الدول النامية، فلم يُطلب من مصنع في العاشر من رمضان أن يتحمّل وحده كلفة قرار اتُخذ في مونتريال.

غير أن النجاح لا يعني أن القصة انتهت. فالأجهزة القديمة التي ما زالت تحوي غازات محظورة تحتاج إلى تخلص آمن لا إلى تنفيس في الهواء، والأسطوانات المعروضة في السوق تحتاج إلى رقابة تضمن أن ما على الملصق هو ما في الداخل، وفنيو التبريد يحتاجون إلى تدريب مستمر على بدائل قد يكون بعضها قابلًا للاشتعال. وكل ذلك عمل يومي صامت لا تُكتب عنه عناوين.

نعود إلى السطح القاهري. الفني أغلق الأسطوانة، وشغّل المكيف، وسمع صوت الضاغط ينتظم، ونزل السلم يفكر في زبونه التالي. لن يخطر بباله أن حزامًا رقيقًا من الغاز فوق رأسه يلتئم ببطء لأن أناسًا في 1974 صدّقوا معادلة، وأناسًا في 1987 وقّعوا ورقة، وأناسًا في 1988 صدّقوا عليها باسم مصر. لكنه، من حيث لا يدري، جزء من الحكاية: كل أسطوانة تُستخدم بطريقة صحيحة، وكل غاز قديم يُجمع بدل أن يُطلق، خيط إضافي في رتق ثقب في السماء. وحين يصل أطفال هذا البيت إلى منتصف العمر، حوالي 2040، ربما تكون المظلة قد اكتملت من جديد فوق رؤوسهم.

مشاركة

مواد ذات صلة

مندوب الجمهورية اليمنية في مقعده خلال اجتماع لجامعة الدول العربية، وأمامه علم بلاده ولافتة باسمها
الأخبار العالمية

الجامعة العربية: بيت العرب الذي تطل نوافذه على ميدان التحرير

على خطوات من ميدان التحرير يقف «بيت العرب»: من أقدم المنظمات الإقليمية في العالم، وُلد في القاهرة قبل ميثاق الأمم المتحدة نفسه. كيف تعمل قممه وأمانته؟ لماذا لا تُلزم قراراته إلا من يقبلها؟ وما حكاية الرحيل إلى تونس ثم العودة؟ جولة داخل جارٍ عتيق نمر به كل يوم ولا نكاد نعرفه.

٢ سبتمبر ٢٠٢٦ · ٧ دقائق قراءة

الأمين العام للأمم المتحدة يصافح أحد المندوبين داخل قاعة مجلس الأمن قبل بدء الجلسة
الأخبار العالمية

تحت السقف الأزرق: كيف تعمل الأمم المتحدة ومن يملك «الفيتو» في مجلس الأمن؟

كلما اشتعلت أزمة سمعتَ أن مجلس الأمن اجتمع وأن دولة رفعت «الفيتو». لكن ماذا يجري فعلًا تحت السقف الأزرق؟ رحلة من قاعة الجمعية العامة إلى طاولة حدوة الحصان: كيف يولد القرار الأممي، متى يكون ملزمًا، كيف تجهضه كلمة واحدة، وأين مقعد مصر من المشهد؟

٢٦ أغسطس ٢٠٢٦ · ٨ دقائق قراءة

تلاميذ يحملون حقائبهم الظهرية على رصيف مظلل بالأشجار أمام سور مدرسة في القاهرة
بوابة النشء

شنطة أثقل من الطفل: كم يجب أن تزن الحقيبة المدرسية وكيف تحمي ظهر ابنك؟

مع أول أسبوع في المدارس يتردد في كل بيت سؤال واحد: كم كيلوجرامًا يحتمل ظهر الطفل؟ نشرح قاعدة الـ15% التي توصي بها الأكاديمية الأمريكية لطب الأطفال، ونقرأ دراسة مصرية من منوف وجدت أن ثلاثة أرباع التلاميذ يشكون آلام الظهر، ثم نقدم طريقة الوزن بميزان الحمام وخطوات يومية بسيطة تخفف الحمل قبل أن يصير وجعًا يرافقه طول العمر.

١٥ سبتمبر ٢٠٢٦ · ٧ دقائق قراءة