مواجهة الحر: كيف نتعرّف على ضربة الشمس ونحمي العمال وكبار السن في صيف مصر
ضربة الشمس حالة طوارئ طبية تقتل سريعًا لكنها قابلة للوقاية بالكامل تقريبًا. دليل عملي للتعرف على علامات الخطر وحماية العاملين في العراء وكبار السن خلال صيف مصر الطويل الحارق.
صيف مصر طويل لا يرحم؛ فمن مايو إلى سبتمبر ترتفع درجات الحرارة في معظم أنحاء البلاد إلى ما يتجاوز خمسًا وثلاثين درجة مئوية بانتظام، وقد تتخطى في الصعيد خمسًا وأربعين درجة. وعلى السواحل تجعل الرطوبة الحرارة المعتدلة نفسها أثقل وطأة. وبالنسبة إلى أغلب الناس يظل الأمر مصدر ضيق، أما بالنسبة إلى العاملين في العراء وكبار السن وأصحاب الأمراض المزمنة فهو خطر صحي حقيقي. فالحر يقتل بصمت في كل صيف حول العالم، ومعظم هذه الوفيات يمكن تفاديها بمعرفة بسيطة وعادات بسيطة.
يبرّد جسم الإنسان نفسه أساسًا بالتعرّق وبدفع الدم نحو الجلد. وفي الحر الشديد، وخاصة مع الجهد البدني العنيف أو الجفاف، قد تعجز هذه الآليات عن أداء مهمتها. والنتيجة سلسلة متدرجة من أمراض الحرارة: تبدأ بالتقلصات العضلية الحرارية، وتتطور إلى الإجهاد الحراري، وقد تنتهي بضربة الشمس التي ترتفع فيها حرارة الجسم الداخلية إلى مستويات خطيرة وتبدأ الأعضاء الحيوية — ومنها المخ — في التوقف عن العمل. وفهم هذا التدرج هو مفتاح التصرف المبكر حين تكون المشكلة سهلة العلاج.
الإجهاد الحراري هو إنذار الجسم المدوّي، ومن علاماته: التعرّق الغزير، والضعف والإرهاق، والدوخة، والصداع، والغثيان، والتقلصات العضلية، وجلد بارد شاحب رطب، مع نبض سريع ضعيف. وعلى من يصل إلى هذه المرحلة أن يتوقف فورًا عن أي نشاط، وينتقل إلى الظل أو غرفة باردة، ويفكّ ملابسه، ويشرب الماء على رشفات، ويبرّد جلده بقماش مبلل. ويتعافى معظم الناس خلال ساعة، فإذا اشتدت الأعراض أو طالت، أو منع القيء من الشرب، وجب طلب المساعدة الطبية دون تأخير.
أما ضربة الشمس فأمر مختلف تمامًا: إنها حالة طوارئ طبية تُحسب فيها الدقائق. ومن علاماتها ارتفاع حرارة الجسم إلى نحو أربعين درجة مئوية أو أكثر، وجلد ساخن محتقن قد يكون جافًا لتوقف التعرق، ونبض سريع قوي، وصداع نابض، وتشوّش ذهني، وتلعثم في الكلام، وهياج أو إغماء أو تشنجات. وينبغي افتراض إصابة أي مسنّ يرتبك فجأة أثناء موجة حر بمرض حراري حتى يثبت العكس. وفي مصر يُستدعى الإسعاف على الرقم 123؛ اتصل أولًا ثم ابدأ التبريد.
وفي انتظار وصول النجدة، فإن تبريد المصاب هو العلاج نفسه. انقله إلى الظل أو مكان مكيّف، وانزع عنه الملابس الزائدة، وبرّد جسمه بكل وسيلة متاحة: رشّ الماء أو امسح به الجلد، وهوِّ عليه بقوة، وضع كمادات باردة أو أكياس ثلج على الرقبة والإبطين وأصل الفخذين حيث تمر الأوعية الدموية الكبرى قريبة من الجلد. وإذا كان المصاب واعيًا تمامًا فقدّم له رشفات صغيرة من الماء، ولا تسقِ أبدًا شخصًا مشوشًا أو فاقدًا للوعي، ولا تتركه وحده.
يحمل العاملون في العراء النصيب الأكبر من الخطر: عمال البناء، والفلاحون، وسائقو التوصيل، والباعة الجائلون، ورجال المرور يقضون ساعات تحت الشمس المباشرة وكثيرًا ما يؤدون عملًا شاقًا. وإرشادات الصحة المهنية الدولية متسقة: جدولة أشق المهام في الصباح الباكر وآخر النهار، وتوفير أماكن راحة مظللة، وتشجيع شرب الماء كل خمس عشرة إلى عشرين دقيقة بدل انتظار العطش. ويحتاج العامل الجديد إلى عدة أيام للتأقلم قبل تحمّل عبء كامل في الحر، ونظام «الرفيق» ضروري لأن المصاب بضربة الشمس كثيرًا ما يعجز عن إدراك تشوّشه بنفسه.
وكبار السن هم الضحية الصامتة الأخرى للصيف؛ فالأجسام المتقدمة في العمر تتعرّق أقل، وتستشعر العطش بدرجة أضعف، وتتكيف مع تغيّرات الحرارة ببطء أشد. وتزيد الأمراض المزمنة كأمراض القلب والكلى والسكري من ضعف تحمّل الحرارة، كما تقلل أدوية شائعة — منها مدرات البول وبعض أدوية الضغط والأدوية النفسية — قدرة الجسم على المواجهة. وفي فترات الحر ينبغي الاطمئنان يوميًا على الأقارب والجيران المسنين الذين يعيشون بمفردهم، والسؤال عن علامات منذرة مثل قلة التبول، والدوخة عند الوقوف، والإرهاق غير المعتاد، وأي تشوّش ذهني جديد.
والحفاظ على بيت صالح للعيش في الحر الشديد يحتاج إلى خطة لا إلى مجرد صبر. أغلق الستائر والشيش على النوافذ المواجهة للشمس نهارًا، وافتح النوافذ ليلًا حين يبرد الهواء في الخارج. والمروحة تساعد على تبخّر العرق، لكنها في درجات الحرارة المرتفعة جدًا قد تكتفي بدفع هواء ساخن؛ ويعمل الجمع بينها وبين قماش مبلل على الجلد أو دشّ فاتر بشكل أفضل. واقضِ أشد الساعات حرارة في أبرد غرفة في المنزل، وتجنّب الطهي على النار وقت الظهيرة، وأبقِ ماء الشرب في متناول اليد.
الترطيب والملابس هما الدرع اليومية: اشرب الماء على فترات منتظمة دون انتظار العطش، وخفف من القهوة والشاي الثقيلين لأنهما يزيدان فقد السوائل. والبس ملابس قطنية فاتحة اللون فضفاضة، وغطِّ الرأس خارج المنزل، والزم الظل كلما أمكن؛ فالساعات بين الظهيرة والرابعة عصرًا هي الأخطر. وعلى الصائمين في الشهور الحارة الإكثار من الماء بين الغروب والفجر، وقد أقرّ الفقه منذ القدم أن الخطر الحقيقي على الصحة سبب مشروع للرخصة.
وأخيرًا فإن السلامة من الحر مسؤولية مشتركة لا فردية فحسب. فأصحاب الأعمال الذين يعدّلون ساعات العمل صيفًا يحمون عمالهم وإنتاجيتهم معًا، والأسر التي ترتب الزيارات والمكالمات حول موجات الحر تحمي كبارها. وكل من يعرف الفرق بين الإجهاد الحراري وضربة الشمس — ويعرف أن يتصل بالرقم 123 ويبدأ التبريد فورًا — قد ينقذ حياة يومًا ما. صيف مصر لن يصبح أرحم، لكن عاداتنا يمكن أن تصبح أذكى.
مواد ذات صلة
«100 مليون صحة»: كيف فحصت مصر أمة كاملة ولماذا يهم المسح الطبي الشامل
في 2018 أطلقت مصر حملة «100 مليون صحة» لتفحص كل بالغ مجانًا بحثًا عن فيروس الكبد «سي» وضغط الدم والسكر والسمنة. كيف عملت واحدة من أكبر حملات المسح الصحي في التاريخ، وماذا وجدت، ولماذا يغيّر الفحص الجماعي وجه الصحة العامة؟
١٨ أغسطس ٢٠٢٦ · ٥ دقائق قراءة

هل يُرى سور الصين العظيم من القمر؟ رواد الفضاء حسموا الإجابة
معلومة محببة في الكتب المدرسية: سور الصين العظيم هو البناء البشري الوحيد المرئي من القمر. رواد الفضاء الذين ذهبوا — وأول رائد فضاء صيني نفسه — يقولون غير ذلك، والبصريات تؤيدهم. أما ما يُرى فعلًا من الفضاء، من أضواء المدن إلى دلتا النيل المتوهجة، فقصة أجمل. الحكم: خاطئ.
١٨ أغسطس ٢٠٢٦ · ٥ دقائق قراءة

هل يقي فيتامين سي من نزلات البرد؟ ما تُظهره عقود من التجارب فعلًا
ملايين يقسمون بفيتامين سي عند أول عطسة. لكن عقودًا من التجارب المنضبطة تروي قصة أدق: لا يقي معظم الناس من نزلات البرد، وقد يقصّرها قليلًا إذا أُخذ بانتظام مسبقًا — ولا تظهر وقاية حقيقية إلا لدى عدّائي الماراثون والمتزلجين والجنود تحت إجهاد شديد. الحكم: صحيح جزئيًا.
١٨ أغسطس ٢٠٢٦ · ٥ دقائق قراءة