تخطَّ إلى المحتوى

مترو أنفاق القاهرة: كيف ينقل الملايين تحت مدينة لا تهدأ

منذ افتتاح الخط الأول عام 1987 بوصفه أول مترو في أفريقيا والشرق الأوسط، تحول مترو أنفاق القاهرة إلى العمود الفقري للتنقل اليومي لملايين المصريين. في هذا الشرح نروي كيف نشأت الشبكة، وكيف تعمل خطوطها الثلاثة، وإلى أين تتجه خطط التوسع.

هيئة التحرير·نُشر في ١٨ أغسطس ٢٠٢٦·٧ دقائق قراءة
رجل يقف وحده على رصيف إحدى محطات مترو القاهرة بينما يمر القطار أمامه فتتضبب صورته من السرعة
Mohamdriyd / Wikimedia Commons (CC BY-SA 4.0)

تحت شوارع القاهرة المزدحمة، وعلى عمق أمتار من ضجيج واحدة من أكثر عواصم العالم اكتظاظا، تجري شبكة غيّرت بهدوء حياة جيلين كاملين. فحين افتُتح الخط الأول لمترو الأنفاق عام 1987 كان الأول من نوعه في أفريقيا والشرق الأوسط، وبعد نحو أربعة عقود صار المترو العمود الفقري للنقل العام في القاهرة الكبرى التي يسكنها أكثر من عشرين مليون نسمة، وواحدا من أكثر أنظمة النقل الحضري ازدحاما في القارة.

وُلدت الفكرة من رحم الضرورة؛ فبحلول ثمانينيات القرن الماضي كانت شوارع العاصمة قد بلغت حد التشبع، فلجأ المخططون إلى حل يستفيد مما هو قائم بالفعل: ربط خطي سكك حديد الضواحي، أحدهما جنوبا إلى حلوان والآخر شمالا إلى المرج، بنفق يمر تحت قلب المدينة. وبالتعاون مع فرنسا خرج إلى النور خط يمتد نحو أربعة وأربعين كيلومترا ينقل الركاب عبر وسط البلد دون أن يتوقف عند إشارة مرور واحدة.

جاء الخط الثاني في التسعينيات حاملا إنجازا هندسيا جديدا هو أول عبور بالسكك الحديدية تحت مجرى النيل، وهو يربط شبرا الخيمة شمالا بالمنيب في الجيزة مرورا بوسط المدينة وجامعة القاهرة، إحدى أكثر النقاط جذبا للركاب في العاصمة. واعتمد إنشاؤه على ماكينات حفر الأنفاق العاملة في العمق تحت واحدة من أكثر البيئات العمرانية كثافة في المنطقة.

أما الخط الثالث، الذي افتُتح على مراحل منذ عام 2012، فهو أحدث شرايين الشبكة وأطولها؛ يبدأ من عدلي منصور شرقا حيث يلتقي بالقطار الكهربائي الخفيف المتجه إلى المدن الجديدة، ويعبر وسط القاهرة إلى الكيت كات حيث يتفرع فرعين: أحدهما إلى جامعة القاهرة والآخر إلى روض الفرج، ليصل المترو إلى أحياء مثل مصر الجديدة والعباسية والزمالك وإمبابة.

تلتقي الخطوط الثلاثة في محطات تبادلية يعرفها كل راكب منتظم عن ظهر قلب: السادات تحت ميدان التحرير والشهداء عند رمسيس تربطان الخطين الأول والثاني، والعتبة تربط الثاني بالثالث، وجمال عبد الناصر تربط الأول بالثالث، وجامعة القاهرة تربط الثاني بالفرع الجنوبي للثالث. وفي ساعات الذروة تستوعب هذه المحطات تدفقات هائلة من الركاب المتنقلين بين شمال العاصمة وجنوبها وشرقها وغربها.

تتفاوت أرقام الركاب بحسب المصدر والموسم، لكن التقديرات تضع منذ سنوات عدد الرحلات اليومية في نطاق الملايين، ما يجعل مترو القاهرة من أكثر الأنظمة استخداما في أفريقيا والعالم العربي. وبالنسبة لمئات الآلاف من العمال والطلاب ليس المترو خيارا بين خيارات، بل الوسيلة الواقعية الوحيدة لعبور المدينة في الموعد وبتكلفة محتملة.

تُحسب التذاكر بنظام الشرائح وفق عدد المحطات المقطوعة في الرحلة، مع بطاقات قابلة لإعادة الشحن للركاب المنتظمين. وتخصص قطارات الشبكة عربات للسيدات فقط لجعل الرحلة أكثر راحة في أوقات الزحام الشديد، مع بقاء حرية ركوب أي عربة أخرى قائمة لمن تشاء.

وتسارعت خطط التوسع في السنوات الأخيرة؛ فالخط الرابع قيد الإنشاء بتمويل ياباني في اتجاه الجيزة ومنطقة الأهرامات، وثمة خطوط أخرى مدرجة في المخطط بعيد المدى للنقل في القاهرة الكبرى. وخارج شبكة المترو نفسها دخل القطار الكهربائي الخفيف الرابط بين عدلي منصور والتجمعات العمرانية الجديدة شرق القاهرة الخدمة في السنوات الأخيرة، فيما يجري تنفيذ مشروع مونوريل لربط العاصمة الإدارية الجديدة ومدينة السادس من أكتوبر بالشبكة القائمة.

الحجة الاقتصادية للمترو واضحة؛ فدراسات الازدحام المروري في القاهرة قدّرت كلفته منذ سنوات بمليارات الدولارات سنويا وقودا مهدرا ووقتا ضائعا، وكل راكب ينتقل تحت الأرض يعني سيارة أو ميكروباصا أقل على الطرق. وللمترو أهمية اجتماعية كذلك، إذ تظل تذكرته زهيدة مقارنة بوسائل النقل الخاصة والتطبيقات الذكية، ما يبقي التنقل في المدينة في متناول محدودي الدخل.

غير أن النظام يواجه تحديات حقيقية: قطارات الخطوط الأقدم مكتظة في ساعات الذروة، وصيانة الأسطول المتقادم وتحسين إتاحة الوصول لذوي الإعاقة وتمويل التوسعات كلها ملفات ضاغطة، إلى جانب معادلة صعبة بين الأسعار المقبولة اجتماعيا وتكاليف التشغيل، وهي معادلة تعود إلى الواجهة كلما جرى تعديل التعريفة.

ورغم كل الضغوط يبقى المترو أحد أكثر نجاحات البنية التحتية المصرية حضورا في الحياة اليومية؛ فما بدأ خطا واحدا عام 1987 صار عادة يومية لملايين البشر، وخريطته التي يعاد رسمها كل بضع سنوات بمحطات جديدة سجلٌ هادئ لنمو العاصمة ذاتها واتساعها المستمر.

مشاركة

مواد ذات صلة

أبراج كهرباء ضغط عالٍ في صورة ظلية عند الغروب
الأخبار العامة

ذروة أغسطس: الشبكة تتجاوز 40 ألف ميجاوات لأول مرة ولا عودة لتخفيف الأحمال

عبرت الشبكة القومية 40 ألف ميجاوات لأول مرة في تاريخها خلال موجة أغسطس الحارة، دون عودة تخفيف الأحمال. كيف صمدت الإمدادات بعد هجوم المسيّرة على ميناء دمياط، وماذا تعني أسعار الشرائح الجديدة لفاتورتك؟

١٩ أغسطس ٢٠٢٦ · ٧ دقائق قراءة

سوق شعبي مزدحم بالمتسوقين وبسطات البرتقال والخضار تحت الشماسي
الأخبار العامة

اقتصاد مصر بين رقمين: نمو 5.2% وسيناريوهات التصعيد

الحكومة تعلن نموًا بنسبة 5.2% في تسعة أشهر، وتراجع في الوقت نفسه سيناريوهات محدثة لمواجهة تداعيات التصعيد الإقليمي، فيما صعد التضخم إلى 14.9% واستقر الدولار قرب 50 جنيهًا. فماذا يعني الرقمان لجيب المواطن؟

١٨ أغسطس ٢٠٢٦ · ٧ دقائق قراءة

«كده غلط».. السم في الطبق والعصا على الظهر: إيذاء الحيوان جريمة في قانون العقوبات المصري منذ 1937
كده غلط

«كده غلط».. السم في الطبق والعصا على الظهر: إيذاء الحيوان جريمة في قانون العقوبات المصري النافذ منذ 1937

جار يضع أطباقاً مسمومة بجوار سور المدرسة، وصاحب عربة يضرب حماره على وجهه لينهض بحمل يفوق طاقته. كثيرون يظنون أن «مجرد حيوان» يعني أن لا قانون يحميه. الحقيقة أن المواد 355 و356 و357 من قانون العقوبات تعاقب على قتل الحيوان وتسميمه وإيذائه بعقوبات تصل إلى السجن. عشية اليوم العالمي للحيوان، نشرح ما يقوله القانون وما هو السلوك الصحيح.

٣ أكتوبر ٢٠٢٦ · ٦ دقائق قراءة