تخطَّ إلى المحتوى

27 سبتمبر 1822: اليوم الذي عاد فيه صوت المصريين القدماء.. حكاية حجر رشيد ومفتاحه

في قاعة بباريس قرأ شاب في الحادية والثلاثين رسالة أعادت للجدران المصرية القدرة على الكلام بعد صمت طويل. من رشيد 1799 إلى لندن 1802 إلى قاعة الأكاديمية 1822، ثم إلى أحمد كمال باشا وقاموسه الذي لم يُطبع في حياته، وصولًا إلى سؤال اليوم: هل يعود الحجر؟ حكاية مفتاح ضاع وعاد.

هيئة التحرير·نُشر في ٢٦ سبتمبر ٢٠٢٦·٨ دقائق قراءة
حجر رشيد: لوح من الجرانيت الداكن نُقشت عليه ثلاثة نصوص بخطوط مختلفة، معروضاً على قاعدة في متحف
Hans Hillewaert / Wikimedia Commons (CC BY-SA 4.0)

أمام واجهة معبد في الأقصر، أو في قاعة من قاعات المتحف المصري، يقف أب مع ابنه الصغير أمام جدار مزدحم بالطيور والأفاعي والعيون المفتوحة، فيسأله الولد: «هي دي بتقول إيه؟» ويجيب الأب على قدر ما يعرف: هذا اسم ملك، وهذا دعاء للآلهة، وهذا عدد الثيران المقدمة قربانًا. لا يخطر ببال الاثنين أن هذا الجواب البسيط كان مستحيلًا على البشرية كلها نحو أربعة عشر قرنًا، منذ أن نُقش آخر نص هيروغليفي معروف في جزيرة فيلة عام 394 ميلادية، وأن الجدران ظلت صامتة تمامًا إلى أن جاء يوم بعينه في خريف عام 1822.

في ذلك اليوم، 27 سبتمبر 1822، وقف شاب فرنسي في الحادية والثلاثين من عمره اسمه جان فرانسوا شامبليون أمام أعضاء أكاديمية النقوش والآداب في باريس، وقرأ عليهم رسالة موجهة إلى السكرتير الدائم للأكاديمية بون جوزيف داسييه. كانت الرسالة تحمل ما عجزت عنه أجيال من العلماء: مفتاح منهج لقراءة الكتابة الهيروغليفية، سيستكمله شامبليون في السنوات التالية، ويثبت أن هذه العلامات ليست رموزًا سحرية أو صورًا تعبيرية كما ظن الأوروبيون قرونًا، بل نظام كتابة يجمع بين علامات تعبر عن أصوات وأخرى تعبر عن معانٍ. ومنذ تلك القراءة يُعد ذلك التاريخ، تقليديًا، يوم مولد علم المصريات.

تبدأ الحكاية قبل ذلك بثلاثة وعشرين عامًا، وعلى أرض مصرية. ففي 15 يوليو 1799، أثناء الحملة الفرنسية على مصر، كان جنود فرنسيون يحصّنون موقعًا قرب مدينة رشيد على فرع النيل الغربي، فعثروا على لوح من حجر داكن مكسور الحواف، تغطيه ثلاث كتل من الكتابة بثلاثة خطوط مختلفة. أدرك الضباط أن هذا ليس حجرًا عاديًا، فنُقل إلى القاهرة حيث فحصه علماء الحملة وصنعوا له نسخًا ورقية أُرسلت إلى أوروبا، وعليها سيشتغل الباحثون في السنوات التالية.

الحجر نفسه نص رسمي يعود إلى عام 196 قبل الميلاد، أي إلى عصر البطالمة، ويحمل مرسومًا من الكهنة يمجد الملك بطلميوس الخامس ويعدد أفضاله على المعابد. وقد كُتب المرسوم ثلاث مرات: بالخط الهيروغليفي، خط المعابد والنصوص المقدسة، وبالخط الديموطيقي، خط الحياة اليومية والعقود، وباليونانية، لغة الحكم في البلاط البطلمي. ومن هنا جاءت قيمته: كان النص اليوناني مفهومًا لعلماء أوروبا، فصار في أيديهم لأول مرة نص معروف المعنى إلى جوار نسخة منه بالخط الذي عجزوا عن قراءته.

لكن الحجر لم يبق في مصر. فبعد هزيمة الفرنسيين أمام البريطانيين والعثمانيين، نصت معاهدة الإسكندرية عام 1801 على تسليم ما جمعه علماء الحملة من آثار إلى الجانب البريطاني، وانتقل الحجر إلى لندن غنيمة حرب، ليستقر في المتحف البريطاني منذ عام 1802 حتى يومنا هذا. وهكذا صار العالم يعرف الحجر باسم المدينة المصرية التي وُجد فيها، بينما لم يره أغلب أبنائها قط إلا في الصور.

قبل شامبليون كان هناك آخرون. فالعالم البريطاني توماس يونج، الطبيب والفيزيائي الموسوعي، بدأ أبحاثه على نسخ الحجر عام 1814، ونجح في ربط العلامات المحصورة داخل الأطر البيضاوية، التي نسميها اليوم الخراطيش، بأصوات اسم بطلميوس، وأثبت أن بعض العلامات تُقرأ صوتيًا. وأجاب علماء آخرون عن أسئلة جزئية مهدت الطريق، حتى إن شامبليون اتُّهم أحيانًا بأنه لم يعترف بما يدين به لغيره، كما تذكّر محاضرة أُلقيت في الكوليج دو فرانس عام 2022 بمناسبة الذكرى المئوية الثانية للرسالة. فالكشوف الكبرى نادرًا ما تكون قفزة رجل واحد؛ إنها سلّم يصعده كثيرون ويصل آخرهم إلى السطح.

وهنا تفصيلة يجدر وضعها في مكانها الصحيح: لم يكن حجر رشيد وحده هو الذي حل اللغز. فالنص الهيروغليفي على الحجر ناقص، إذ ضاع جزء كبير منه مع الجزء العلوي المكسور، نحو ثلثيه على تقدير تلك المحاضرة، ولم يكن يكفي بمفرده لبناء نظام كامل للقراءة. ما صنع الفارق عند شامبليون أمران: الأول أنه جمع كمًّا كبيرًا ومتنوعًا من النصوص الهيروغليفية والهيراطيقية والديموطيقية من لوحات منشورة ومجموعات المتاحف وقارن بينها؛ والثاني أنه كان يعرف القبطية، آخر أطوار اللغة المصرية القديمة، التي حفظتها الكنيسة المصرية في صلواتها. القبطية كانت الجسر الذي عبر عليه من الأصوات إلى المعاني.

وتُروى قصة شهيرة عن الأيام التي سبقت الرسالة، تقول إن شامبليون، في منتصف سبتمبر 1822، بعد أن قرأ اسمي رمسيس وتحتمس في نسخ نقوش وصلته من مصر، ركض إلى مكتب أخيه الأكبر وصاح «أمسكت بها!» ثم انهار من فرط الإجهاد، وقيل إنه لزم الفراش أيامًا. لا نملك ما يؤكد تفاصيلها، لكنها تعبر عن حقيقة أعمق: أن الرجل لاحق اللغز منذ صباه، وأن لحظة انفتاح الباب كانت انفعالًا حقيقيًا لا استنتاجًا باردًا.

غير أن سؤالًا مشروعًا يخطر ببال القارئ المصري: أين كان المصريون من كل هذا؟ الجواب المر أن علم المصريات وُلد أوروبيًا، بعلماء ومتاحف أوروبية، بينما ظل أصحاب الأرض، في الغالب، عمالًا في الحفائر لا شركاء في المعرفة. ولهذا تحمل قصة أحمد كمال باشا، المتوفى عام 1923 والمولود نحو عام 1849 أو 1851 على اختلاف المصادر، معنى يتجاوز سيرته. فقد التحق شابًا بمدرسة اللسان المصري القديم، ثم أُغلق أمامه الطريق فعمل سنوات مترجمًا للفرنسية في وزارة المعارف ومدرسًا لها، قبل أن يجد موطئ قدم في مصلحة الآثار مع مطلع ثمانينيات القرن التاسع عشر.

من هناك صعد أحمد كمال حتى صار أول مصري يشغل منصب أمين في المتحف المصري، وكان له دور في التحقيق في خبيئة الدير البحري عام 1881، وألف كتبًا بالعربية والفرنسية. لكن عمله الأضخم كان قاموسًا للغة المصرية القديمة في اثنين وعشرين مجلدًا، قضى في تأليفه عشرين عامًا، يشرح المفردات بالعربية ثم بالفرنسية، ويُروى أن ابنته الكبرى كانت تنسخ صفحاته بخط يدها. أهداه إلى الملك فؤاد فمنحه لقب الباشوية، لكن القاموس لم يُطبع في حياته، وبقيت مخطوطاته في حوزة أسرته عقودًا قبل أن تسلمها إلى مكتبة الإسكندرية، وبحسب ما نشرته صحيفة الأهرام الإنجليزية في أبريل 2021 فإن وزارة الثقافة صورته وطبعت نسخًا منه في العام السابق لذلك، ولا نعلم حتى تاريخ كتابة هذه السطور بطبعة علمية كاملة متاحة للقارئ العام.

الفكرة التي دافع عنها أحمد كمال كانت بسيطة وعميقة معًا: أن اللغة المصرية القديمة ليست غريبة عن العربية التي يتكلمها المصريون اليوم، وأن كثيرًا من ألفاظها ما زال حيًّا على ألسنة الفلاحين. ومهما اختلف اللغويون حول صحة مقارناته، فإن الرجل فتح بابًا لم يُغلق: أن يدرس المصري تاريخه بنفسه ويكتبه بلغته، وقد تخرّج على يديه ويدي جيله أوائل علماء المصريات المصريين.

ويبقى ملف الحجر نفسه مفتوحًا. ففي أكتوبر 2022، مع الذكرى المئوية الثانية لفك الرموز، أطلق عالم الآثار زاهي حواس عريضة إلكترونية دولية على أحد مواقع العرائض تطالب المتحف البريطاني بإعادة حجر رشيد واللوفر بإعادة زودياك دندرة إلى مصر، ليُعرضا في المتحف المصري الكبير، مؤكدًا أنهما خرجا من مصر بطريقة غير مشروعة. وكان حواس قد رفع صوته بهذا المطلب علنًا منذ عام 2003، ثم طرحه في اجتماع لليونسكو عام 2005 حين كان أمينًا عامًا للمجلس الأعلى للآثار، وهو العام نفسه الذي أهدى فيه المتحف البريطاني مصر نسخة طبق الأصل من الحجر تُعرض في رشيد. وينبغي القول بوضوح إن العريضة مبادرة شخصية من حواس، وليست، على حد علمنا وحتى تاريخ كتابة هذه السطور، طلبًا رسميًا من الحكومة المصرية. أما المتحف البريطاني فيرد عادة بأن الحجر انتقل إليه بموجب معاهدة، وهو نقاش حجج قانونية وأخلاقية يستحق أن يُدار بلغة الوقائع لا الخصومة.

وحين تحل الذكرى غدًا، لن يكون أهم ما فيها اسم شامبليون ولا اسم يونج، بل ما فعلته تلك الرسالة بنا: قبلها كان رمسيس مجرد تمثال، وحتشبسوت مجرد معبد، وجدران دندرة وفيلة مجرد زخارف، والبرديات مجرد لفائف لا يفهمها أحد. وبعدها صار لهم كلام نقرأه، وشكاوى نسمعها، ورسائل ووصايا ودعاوى عمرها آلاف السنين تشبه إلى حد مدهش ما نعيشه اليوم.

لذلك، في المرة القادمة التي تقف فيها مع ابنك أمام جدار منقوش في الأقصر أو فاترينة في المتحف المصري الكبير، وتقرأ له اللافتة الصغيرة التي تشرح ما يقوله النص، تذكّر أن هذه السطور القليلة ثمنها ثلاثة وعشرون عامًا من الحيرة بين رشيد وباريس، وحياة كاملة أفناها مترجم ومدرس للفرنسية ليكتب قاموسًا لم يره مطبوعًا. وتذكّر أن الحجر الذي بدأت به الحكاية ما زال بعيدًا عن بيته، وأن حق الحفيد في أن يقرأ كلام جده على أرضه ليس ترفًا، بل جزء من معنى أن تكون مصريًا.

مشاركة

مواد ذات صلة

بيت نوبي بجدران مدهونة بالأزرق وقبو مزخرف بالطوب الملوّن في زخارف متعرجة على واجهته
الفن والثقافة

حسن فتحي: «مهندس الفقراء» الذي بنى من طين مصر عمارة أدهشت العالم

في زمن يلتهم فيه التكييف دخل البيوت، تعيد سيرة حسن فتحي طرح سؤال قديم: لماذا هجرنا عمارة تُبرِّد بيوتنا بلا كهرباء؟ حكاية «مهندس الفقراء» الذي بنى من طين مصر قرية كاملة، وكتب كتابًا ترجمه العالم، وسبق موجة البناء الأخضر بعقود.

٤ سبتمبر ٢٠٢٦ · ٨ دقائق قراءة

بورتريه مرسوم لطه حسين بنظارته الداكنة المستديرة وبذلته، من عمل الفنان عصام عزوز
الفن والثقافة

طه حسين: الصبي الكفيف الذي صار عميد الأدب وجعل التعليم حقًا «كالماء والهواء»

طفل كفيف من قرية في الصعيد صار «عميد الأدب العربي»، وحين وليَ وزارة المعارف حوّل مقولته «التعليم كالماء والهواء» إلى قرار مجانية التعليم الثانوي عام 1950. رحلة تقول لكل قارئ: المعرفة حق مواطنة لا امتياز طبقة — فكيف صنعها رجل لم يبصر النور؟

٢٨ أغسطس ٢٠٢٦ · ٧ دقائق قراءة

مدرجات ملعب مكتظة بالجماهير ليلاً والمباراة جارية على الأرضية الخضراء تحت أضواء الكشافات
صوت الجماهير

أكثر من مباراة: قرن من «القمة» بين الأهلي والزمالك كما تعيشه البيوت المصرية

منذ أول لقاء عام 1917 وحتى نهائي أفريقيا 2020، لم تكن مباراة الأهلي والزمالك مجرد تسعين دقيقة، بل موعدًا يقسم الغرفة الواحدة إلى أحمر وأبيض ثم يجمعها من جديد. قراءة هادئة في نشأة الناديين وأرقامهما وطقوس يوم القمة في البيوت المصرية.

٢٥ سبتمبر ٢٠٢٦ · ٦ دقائق قراءة