كيف بنت مصر إمبراطورية الإسكواش التي تحكم العالم؟
لعقود متواصلة، احتكر المصريون والمصريات قمة تصنيف الإسكواش العالمي، حتى صارت النهائيات الكبرى شأناً مصرياً خالصاً في كثير من الأحيان. هذه قصة منظومة كاملة — أندية ومدربون وعائلات وملعب زجاجي أمام الأهرامات — صنعت أندر حالات الهيمنة في الرياضة الحديثة.
في رياضات كثيرة تتنافس الأمم على البطولات، أما في الإسكواش فالسؤال منذ سنوات طويلة مختلف: أي مصري أو مصرية سيرفع الكأس هذه المرة؟ فلعقد ونصف تقريباً، احتل اللاعبون المصريون والمصريات معظم مقاعد العشرة الأوائل في التصنيف العالمي للرجال والسيدات معاً، وتكررت النهائيات المصرية الخالصة في أكبر البطولات، حتى صار المشهد مادة دائمة للدهشة في الصحافة الرياضية العالمية.
لم تولد هذه الهيمنة من فراغ، فجذور اللعبة في مصر تمتد إلى النصف الأول من القرن العشرين، حين انتشرت ملاعب الإسكواش في الأندية الاجتماعية الكبرى بالقاهرة والإسكندرية. وحقق أبطال مصريون حضوراً عالمياً مبكراً في حقبة ما قبل الاحتراف الحديث، قبل أن تخفت الأضواء لعقود ثم تعود أقوى مما كانت.
الشرارة الحديثة يؤرخ لها كثيرون بمنتصف التسعينيات، حين أقيمت بطولة الأهرام الدولية على ملعب زجاجي مضاء نُصب في سفح أهرامات الجيزة، ولمع النجم الشاب أحمد برادة الذي بلغ نهائي بطولة العالم ووصل إلى المركز الثاني عالمياً. تلك الصور المتلفزة — كرة صغيرة تتطاير أمام أقدم عجائب الدنيا — أشعلت خيال جيل كامل من أطفال الأندية المصرية وأقنعت آباءهم بأن اللعبة طريق ممكن للمجد.
ثم جاء الانفجار الكبير في الألفية الجديدة. حصد عمرو شبانة أربعة ألقاب عالمية في العقد الأول منها، وتبعه رامي عاشور، الموهبة التي وصفها كثير من النقاد بأنها الأكثر إبداعاً في تاريخ اللعبة، بثلاثة ألقاب عالمية رغم إصاباته المتكررة. وتوالى الأبطال: محمد الشوربجي وكريم عبد الجواد وعلي فرج وطارق مؤمن، وكلهم اعتلوا منصة بطولة العالم أو صدارة التصنيف.
ولم تكن السيدات ظلاً للرجال بل شريكات كاملات في الإمبراطورية. فرنيم الوليلي صارت أول مصرية وعربية تعتلي صدارة التصنيف العالمي للسيدات، ونور الشربيني حصدت لقب بطولة العالم مرات عديدة بعدما أحرزته في سن مبكرة قياسية، ثم واصلت نوران جوهر وهانيا الحمامي وجيلهما احتكار القمة، حتى صارت مباريات القمة النسائية مواجهات مصرية داخلية في أغلب الأحيان.
وراء الأسماء اللامعة تقف منظومة كاملة. فالأندية الكبرى في القاهرة والجيزة — من هليوبوليس إلى الجزيرة ووادي دجلة وغيرها — تدير برامج ناشئين تستقبل الأطفال من سن السادسة والسابعة، وتوفر ملاعب وفيرة ومدربين متفرغين كثير منهم أبطال سابقون. والعائلات المصرية من الطبقة الوسطى تستثمر في اللعبة استثماراً جدياً: تدريبات يومية بعد المدرسة، وسفر مبكر للبطولات، وأشقاء يتوارثون المضرب جيلاً بعد جيل.
وتظهر ثمار هذه المنظومة مبكراً جداً، إذ دأب الناشئون المصريون على اكتساح البطولات الدولية للناشئين، وفي مقدمتها بطولة بريطانيا المفتوحة للناشئين التي تُعد المرجع التاريخي للفئات السنية، فيصل اللاعب المصري إلى الاحتراف وقد اعتاد الفوز على أقرانه من كل العالم منذ طفولته.
أما بصمة المدرسة المصرية الفنية فواضحة لكل متابع: أسلوب هجومي جريء يعتمد على مرونة المعصم والضربات الساقطة المفاجئة وسرعة إنهاء النقاط، في مقابل المدارس الأوروبية والآسيوية الأكثر ميلاً إلى الصبر والاستنزاف البدني. هذا المزج بين المهارة والجرأة جعل مباريات المصريين مادة جماهيرية ممتعة ساهمت بدورها في تسويق اللعبة عالمياً.
وتواصل مصر توظيف أصولها البصرية الفريدة، إذ عادت الملاعب الزجاجية في السنوات الأخيرة إلى سفح الأهرامات لاستضافة بطولات كبرى ينقلها التلفزيون إلى العالم، إضافة إلى ملاعب مطلة على البحر الأحمر في الجونة، فترسخ في الأذهان اقتران اللعبة بصور مصر الأجمل.
يبقى تحدٍ تاريخي طال انتظار حسمه: فغياب الإسكواش عن البرنامج الأولمبي حرم أبطال مصر عقوداً من المنصة الأشهر في الرياضة، قبل أن يتقرر إدراج اللعبة أخيراً في برنامج دورة لوس أنجليس 2028. وحين يُرفع الستار الأولمبي عن اللعبة لأول مرة، سيدخل المصريون والمصريات بصفتهم القوة الأعظم في تاريخها الحديث — وجيلهم التالي يتدرب منذ الآن في ملاعب الأندية نفسها التي بدأت منها الحكاية.
مواد ذات صلة
من نصير إلى الجندي: قرن من الميداليات المصرية في الأولمبياد والبارالمبياد
من ذهبية السيد نصير عام 1928 إلى لقب أحمد الجندي القياسي في باريس، ومن فاطمة عمر إلى شريف عثمان على منصة رفع الأثقال البارالمبية: قرن كامل من الميداليات المصرية الأولمبية والبارالمبية، صُنع معظمها بالقوة الخالصة.
١٨ أغسطس ٢٠٢٦ · ٧ دقائق قراءة

فراعنة كرة اليد: كيف صعدت مصر إلى نخبة العالم
كرة اليد لعبة أوروبية بامتياز — إلا في مصر. استضافت بطولتي عالم، وتحمل رصيدًا وافرًا من الألقاب الأفريقية، وتوّج ناشئوها بلقب عالمي، وحلّ منتخبها رابعًا في أولمبياد طوكيو. هكذا بنى الفراعنة خط إنتاج يبدأ من المدرسة وينتهي في النادي ليبقيهم بين الكبار.
١٨ أغسطس ٢٠٢٦ · ٦ دقائق قراءة

هل يُرى سور الصين العظيم من القمر؟ رواد الفضاء حسموا الإجابة
معلومة محببة في الكتب المدرسية: سور الصين العظيم هو البناء البشري الوحيد المرئي من القمر. رواد الفضاء الذين ذهبوا — وأول رائد فضاء صيني نفسه — يقولون غير ذلك، والبصريات تؤيدهم. أما ما يُرى فعلًا من الفضاء، من أضواء المدن إلى دلتا النيل المتوهجة، فقصة أجمل. الحكم: خاطئ.
١٨ أغسطس ٢٠٢٦ · ٥ دقائق قراءة