في اليوم العالمي للترجمة: من «مدرسة الألسن» 1835 إلى المركز القومي.. كيف ترجمت مصر العالم إلى العربية؟
في 30 سبتمبر يحتفل العالم بالترجمة، ووراء الكتاب المترجم الذي تحمله من معرض الكتاب قصة مصرية عمرها قرنان: شيخ أزهري عاد من باريس فأسس أول مدرسة حديثة للمترجمين في مصر عام 1835، ولجان ومشروعات تعثر بعضها واكتمل بعضها، حتى قام المركز القومي للترجمة عام 2006. هذه هي الحكاية كاملة، وما تعنيه لك.

في زحام معرض القاهرة الدولي للكتاب، تقف أمام رف طويل وتقلّب كتابًا ترجمه مصري عن الروسية أو الإسبانية أو اليابانية، تقرأ اسم المترجم على الغلاف بحروف أصغر من اسم المؤلف، وتدفع ثمنًا معقولًا لأن جهة حكومية دعمت طباعته، ثم تمضي إلى البيت ولا تسأل نفسك: كيف وصل هذا الكتاب إلى يدي بلغتي؟ خلف هذه اللحظة العادية جدًا يقف مشروع وطني عمره قرابة قرنين، بدأ في قاعة درس صغيرة عام 1835، ولم يتوقف رغم كل ما تعثر فيه.
لنعد إلى تلك القاعة. فتيان اختير معظمهم من الأزهر، كما تذكر كتب تاريخ التعليم في عصر محمد علي، يجلسون أمام كتب بالفرنسية لأول مرة في حياتهم، وأمامهم شيخ في منتصف الثلاثينيات عاد قبل سنوات قليلة من باريس، حيث أُرسل، على الرواية الشائعة، إمامًا لبعثة محمد علي فعاد مترجمًا ومعلمًا. هو الشيخ رفاعة رافع الطهطاوي (1801–1873)، الذي أسس في ذلك العام مدرسة سُميت في البداية «مدرسة المترجمين» ثم صارت «مدرسة الألسن»، وتخرجت أول دفعة فيها عام 1839، بحسب الصفحة الرسمية لكلية الألسن بجامعة عين شمس.
لم تكن الفكرة ترفًا ثقافيًا. كانت الدولة المصرية الناشئة تحتاج إلى من ينقل لها كتب التاريخ والجغرافيا والقانون والعلوم العسكرية والهندسة من لغات أوروبا، بينما كانت مدرسة الطب في قصر العيني تترجم مراجعها بالتوازي. وكان ذلك جوهر ما دعا إليه الطهطاوي، كما يُفهم من كتاباته: أن الأمة التي لا تقرأ ما عند الآخرين تظل خارج زمنها. ومن هنا وُلدت الترجمة في مصر الحديثة بوصفها عملًا من أعمال الدولة، لا هواية أفراد، وهذا هو الخيط الذي سيظل ممدودًا حتى يومنا.
لكن المشروع لم يسر في خط مستقيم. فمدرسة الألسن الأولى عاشت نحو خمسة عشر عامًا، حتى ألغاها عباس الأول عام 1849 وأبعد الطهطاوي إلى الخرطوم، وظل اسمها ذكرى في كتب التاريخ عقودًا طويلة، حتى أُعيد فتحها عام 1951 في صورة دراسة مسائية لطلاب الجامعة، ثم صدر عام 1957 قرار بإنشاء «مدرسة الألسن العليا» التي تمنح خريجيها درجة البكالوريوس، وفي 20 ديسمبر 1973 صدر القرار الجمهوري رقم 1952 بضمها إلى جامعة عين شمس كلية مستقلة. هكذا صار اسم الألسن، الذي بدأ في قاعة صغيرة، كلية يتخرج فيها كل عام أجيال جديدة من المترجمين الذين تراهم اليوم في المحاكم والمؤتمرات وشركات الترجمة ودور النشر.
بين إغلاق المدرسة الأولى وعودتها، لم تتوقف مصر عن الترجمة، لكنها جرّبت صيغًا أخرى. ففي النصف الأول من القرن العشرين قامت «لجنة التأليف والترجمة والنشر» بجهد أهلي كبير نقل إلى العربية مئات الكتب في الفلسفة والتاريخ والأدب، ولا تزال طبعاتها القديمة تُباع في سور الأزبكية، على ما يعرفه رواد السور، لمن يدرك قيمتها. ثم، بعد عودة الألسن بسنوات قليلة، جاء «مشروع الألف كتاب» عام 1955 تحت مظلة وزارة التربية والتعليم، وأصدر نحو 600 كتاب قبل أن يتوقف في نهاية الستينيات، بحسب ما تنقله الهيئة العامة للاستعلامات عن المركز القومي للترجمة وما توثقه مصادر تاريخ النشر في مصر.
وتنقل الهيئة نفسها أن مشروعين آخرين لم يكتملا: الأول للجامعة العربية بإشراف طه حسين، والثاني للهيئة المصرية العامة للكتاب بإشراف سمير سرحان. ولا يهمنا هنا تفصيل السبب في كل مرة، وإنما الملاحظة الأهم أن كل جيل مصري كان يعيد إطلاق الفكرة نفسها بصيغة جديدة، فإذا تعثر مشروع التقطه من بعده مشروع آخر، كأن الترجمة في مصر شعلة تنتقل من يد إلى يد.
منذ منتصف التسعينيات جاء «المشروع القومي للترجمة»، الذي بدأ نشاطه عام 1996 بوصفه إحدى لجان المجلس الأعلى للثقافة بحسب الهيئة العامة للاستعلامات، وكان طموحه أن يخرج بالترجمة من الأفراد المتفرقين إلى خطة وطنية لها ميزانية وسلاسل وعناوين تُختار بعناية، وأن يترجم مباشرة عن اللغات الأصلية لا عن لغة وسيطة كلما أمكن، بحسب ما أعلنه المشروع عن نفسه. وفي مطلع عام 2006 احتفل المشروع بصدور الكتاب رقم ألف، وهو رقم بدا كبيرًا في حينه، وبدا في الوقت نفسه صغيرًا حين قورن بما تفعله دول أخرى.
على هذا الأساس صدر قرار جمهوري في أكتوبر 2006 بإنشاء «المركز القومي للترجمة» هيئة وطنية غير هادفة للربح، لتتحول الترجمة من مشروع داخل مجلس إلى مؤسسة قائمة بذاتها. ومن أهدافه المعلنة، كما تنقلها الهيئة العامة للاستعلامات، تأكيد ريادة مصر في هذا المجال، ورفع معدل الإنتاج إلى نحو ألف كتاب في السنة بدل ألف كتاب كل عشر سنوات، وفتح نوافذ المعرفة أمام القارئ العربي في كل مجالاتها وأقطارها ولغاتها، بعيدًا عن هيمنة لغة واحدة أو الاقتصار عليها.
الأرقام التي تذكرها الهيئة في هذا السياق، نقلًا عن المركز، تكشف حجم المسافة: دول مثل إسبانيا وإيطاليا تترجم نحو عشرين ألف كتاب سنويًا. أما ما أنجزه المركز فعليًا فلا يوجد رقم رسمي محدّث متاح حتى تاريخ كتابة هذه السطور؛ غير أن تحليلًا صحفيًا لقاعدة بيانات إصداراته نشرته صحيفة «الدستور» في 20 مايو 2026 أحصى نحو 1,066 كتابًا مترجمًا منذ نهاية 2007، بمتوسط يقارب 53 كتابًا في السنة، أي بعيدًا جدًا عن هدف الألف كتاب سنويًا، وإن كانت تلك الإصدارات تشمل لغات كانت شبه غائبة عن المكتبة العربية.
ولماذا نتذكر كل هذا في 30 سبتمبر تحديدًا؟ لأن الجمعية العامة للأمم المتحدة اعتمدت في 24 مايو 2017 القرار رقم 71/288 بشأن دور الترجمة المهنية في الربط بين الأمم وتعزيز السلام والتفاهم والتنمية، وأعلنت هذا اليوم يومًا عالميًا للترجمة. واختير التاريخ لأنه عيد القديس جيروم الذي نقل معظم الكتاب المقدس إلى اللاتينية ويُعد شفيع المترجمين، أي أن العالم كله يحتفل بمهنة تحمل اسم شفيعها منذ أكثر من ألف وستمئة عام، وكانت مصر جزءًا من تاريخها منذ ما قبل ذلك بكثير.
وللعربية في هذه المناسبة نصيب خاص، فهي واحدة من اللغات الرسمية الست للأمم المتحدة إلى جانب الإنجليزية والفرنسية والإسبانية والروسية والصينية، ومعنى ذلك أن كل وثيقة دولية تُترجم إلى العربية بأيدي مترجمين محترفين، وبينهم، على حد علمنا، خريجون من الألسن وكليات اللغات المصرية. وإذا تأملت المسافة وجدت أن الطريق من قاعة الطهطاوي إلى قاعات نيويورك وجنيف أقصر مما يبدو.
غير أن الاحتفال لا يُغني عن الأسئلة الصعبة. فالمترجم المصري، بحسب ما يتردد في الوسط الثقافي وعلى حد علمنا، يعمل غالبًا مقابل أجر متواضع بالصفحة أو بالكلمة، وكثيرًا ما يتأخر صدور الكتاب سنوات بعد تسليمه، وقد يغيب اسمه عن الغلاف عند بعض الناشرين. وتبقى مشكلة اختيار العناوين وحقوق الترجمة والتوزيع خارج القاهرة والإسكندرية معلقة، وهي مشكلات لا يحلها قرار ولا يوم عالمي، بل سياسة نشر مستمرة وقارئ يطلب الكتاب المترجم ويدفع ثمنه.
ثم إن الترجمة اليوم لم تعد كتبًا فقط. الطالب الذي يقرأ مرجعًا علميًا مترجمًا، والمريض الذي يفهم نشرة الدواء بالعربية، والفلاح الذي يقرأ دليل الآلة الزراعية، والمشاهد الذي يتابع فيلمًا مترجمًا على شاشة الهاتف، كلهم يعيشون على عمل مترجمين لا يعرفون أسماءهم. وأدوات الترجمة الآلية التي في جيب كل منا تسهّل الفهم السريع لكنها لا تكتب كتابًا يعيش، ولا تنقل روح لغة إلى أخرى، وهذا بالضبط ما فعله الطهطاوي وتلاميذه ومن جاء بعدهم.
فحين تعود إلى الكتاب الذي اشتريته من المعرض، توقف لحظة عند اسم المترجم الصغير على الغلاف. هذا الاسم آخر حلقة في سلسلة بدأت عام 1835 في قاعة درس بها فتيان من الأزهر وشيخ عاد من باريس، وأُغلقت ثم عادت، ومرت بلجنة أهلية ومشروع ألف كتاب وقرار جمهوري وكلية جامعية ومركز قومي. وفي 30 سبتمبر من كل عام، يمكنك أن تحتفل بأبسط طريقة: أن تقرأ الكتاب حتى آخره، وأن توصي به لغيرك، وأن تذكر أن العربية التي تقرأ بها لم تكن لتتسع للعالم لولا من ترجموه لها.
مواد ذات صلة

27 سبتمبر 1822: اليوم الذي عاد فيه صوت المصريين القدماء.. حكاية حجر رشيد ومفتاحه
في قاعة بباريس قرأ شاب في الحادية والثلاثين رسالة أعادت للجدران المصرية القدرة على الكلام بعد صمت طويل. من رشيد 1799 إلى لندن 1802 إلى قاعة الأكاديمية 1822، ثم إلى أحمد كمال باشا وقاموسه الذي لم يُطبع في حياته، وصولًا إلى سؤال اليوم: هل يعود الحجر؟ حكاية مفتاح ضاع وعاد.
٢٦ سبتمبر ٢٠٢٦ · ٨ دقائق قراءة

حسن فتحي: «مهندس الفقراء» الذي بنى من طين مصر عمارة أدهشت العالم
في زمن يلتهم فيه التكييف دخل البيوت، تعيد سيرة حسن فتحي طرح سؤال قديم: لماذا هجرنا عمارة تُبرِّد بيوتنا بلا كهرباء؟ حكاية «مهندس الفقراء» الذي بنى من طين مصر قرية كاملة، وكتب كتابًا ترجمه العالم، وسبق موجة البناء الأخضر بعقود.
٤ سبتمبر ٢٠٢٦ · ٨ دقائق قراءة

طه حسين: الصبي الكفيف الذي صار عميد الأدب وجعل التعليم حقًا «كالماء والهواء»
طفل كفيف من قرية في الصعيد صار «عميد الأدب العربي»، وحين وليَ وزارة المعارف حوّل مقولته «التعليم كالماء والهواء» إلى قرار مجانية التعليم الثانوي عام 1950. رحلة تقول لكل قارئ: المعرفة حق مواطنة لا امتياز طبقة — فكيف صنعها رجل لم يبصر النور؟
٢٨ أغسطس ٢٠٢٦ · ٧ دقائق قراءة