تخطَّ إلى المحتوى

«كده غلط»: قسم يسمّي الخطأ باسمه

في هذا القسم لن نجامل ولن نصمت. التصرفات التي تحوّلت إلى عادات وتقاليد سيئة سنسمّيها بأسمائها، ونقولها بصوت مسموع: كده غلط. لأنها قبل أن تكون مخالفة للقانون، جريمة أخلاقية في حق المواطن: إساءة واستفزاز وضرر. هذا بيان تأسيس القسم، ووعدنا لقرّائه.

هيئة التحرير·نُشر في ١٨ أغسطس ٢٠٢٦·٦ دقائق قراءة
رسم تحريري: مكبر صوت ذهبي يعلو أفق مدينة ليلية وعلامة رفض حمراء
رسم تحريري — صوت المواطن

في كل صباح مصري مشاهد نعرفها جميعاً حتى كدنا لا نراها: كيس قمامة يطير من نافذة سيارة مسرعة، سحابة دخان في مكتب مغلق يتنفسها من لا يدخّن، رصيف احتله كشك فنزل المارة إلى قلب الشارع بين السيارات. اعتدنا أن نهزّ رؤوسنا ونمضي. هذا القسم وُلد ليتوقف أمام هذه المشاهد ويقول بصوت مسموع: كده غلط.

عقيدة هذا القسم بسيطة وواضحة: بعض هذه التصرفات مخالفة يعاقب عليها القانون، وبعضها قد لا يطوله نص قانوني أصلاً. لكن ما يعنينا في المقام الأول أنها جريمة أخلاقية في حق المواطن؛ فيها إساءة واستفزاز وضرر لمشاعره وصحته وسلامته وكرامته. التأثيم الأخلاقي أولاً، والتأثيم الجنائي حيث يوجد نصّ يجرّم.

ولماذا التسمية بصوت عالٍ؟ لأن الصمت هو الذي حوّل الخطأ إلى عادة، والعادة إلى تقليد، والتقليد إلى مشهد يومي لم يعد يستفز أحداً. حين يمرّ السلوك السيئ بلا تعليق، يتعلم الجميع أنه مقبول. ونحن نؤمن أن أول خطوة في طريق اختفاء هذه العادات من المشهد المصري هي أن تُقال على الملأ، وأن يعرف صاحبها أن الناس تراه وتحكم عليه.

خذ من يلقي فضلاته من نافذة سيارته، حتى لو كانت سيارة فارهة. إنه يترك خلفه فخاً على الأسفلت. تخيّل طالباً في طريقه إلى مدرسته يمشي على حافة الطريق، فينزلق على ما أُلقي وقد يدفع حياته ثمناً لثوانٍ من كسل شخص لم يكلّف نفسه انتظار سلة مهملات. وحتى لو لم يترتب على الفعل شيء على الإطلاق، يبقى سلوكاً غير أخلاقي وغير حضاري ومستفزاً.

وخذ من يدخّن في مكان مغلق ثم يردّ على من يعترض بعبارة «أنا حر». حريته تنتهي عند رئة جاره. حوله من يعاني الحساسية، وأطفال وحوامل يتجرعون التدخين السلبي قسراً، وقانون قائم بالفعل يحظر التدخين في الأماكن العامة المغلقة منذ تعديل قانون الوقاية من أضرار التدخين رقم 52 لسنة 1981 بالقانون رقم 154 لسنة 2007.

وخذ من يلوّث نهر النيل. الشريان الذي وهب مصر الحياة منذ فجر التاريخ يعامله البعض كمقلب نفايات، وكأن الماء الذي يلقي فيه مخلفاته ليس هو نفسه الذي سيشربه ملايين المصريين بعده.

ومن يصطحب كلاباً شرسة إلى الشواطئ فيفزع الأطفال ويفسد على الأسر يومها، ثم يحمّم كلابه في مياه البحر التي يسبح فيها الناس بما قد تنقله من ميكروبات. ومن يسير بسرعة جنونية بسيارة متهالكة لا فرامل مطمئنة فيها ولا إطارات سليمة، فيحوّل الطريق العام إلى ساحة خطر على حياة المواطنين.

ومن يؤجّر الأدوار السفلية من العمارات السكنية لتتحول إلى مقاهٍ تتصاعد منها روائح الدخان والشيشة، وتظل مفتوحة طوال الليل بضجيج يحرم أطفال المدارس من نومهم وأهاليهم من راحتهم. سكان العمارة لم يختاروا أن يعيشوا فوق مقهى لا ينام.

ومن يعبر الشارع وسط السيارات المسرعة غير عابئ بأماكن العبور المخصصة، فيعرّض حياته وحياة السائقين للخطر. ومن يقيم الأكشاك على الأرصفة فيدفع المارة دفعاً إلى السير في نهر الطريق، وهي ممارسة تبقى اعتداءً على حق المشاة حتى لو حملت ترخيصاً من الحي. والسايس البلطجي غير المرخص الذي نصّب نفسه مالكاً للشارع، يفرض الإتاوة على من يركن سيارته في طريق عام.

ومن يلقي عقب سيجارته مشتعلاً من النافذة أو على الرصيف، غير مدرك أن جمرة صغيرة كانت بدايةً لحرائق وكوارث. وصولاً إلى عادة ختان الإناث، التي يجرّمها قانون العقوبات المصري صراحة، وما زالت رغم ذلك موجودة تُورَّث في الخفاء كأنها قدر لا يُردّ.

وليكن واضحاً: عدستنا واحدة للجميع. من يلقي القمامة من سيارة فارهة يقف أمام هذا القسم في نفس الموقف الذي يقفه أي مخطئ آخر؛ فالرقي سلوك لا ماركة سيارة، والقسم لا يحاكم فقراً ولا غنى، بل يحاكم فعلاً. ولن نتحول إلى منبر وعظ متعالٍ؛ نحن جزء من هذا الشارع، نكتب عن عاداتٍ شارك فيها بعضنا يوماً قبل أن يراجع نفسه.

هذا القسم جزء من منصة أوسع، تفخر بأنها — على حد علمنا — أول منصة إخبارية — على حد علمنا — تتبنى التصدي لحروب الجيل الرابع من الشائعات بأسلوب علمي ممنهج عبر خبراء ومتخصصين، تسلط الأضواء أمام عيون المواطن على الأكاذيب التي تستهدف الإضرار بمصر. كما تفتح ملف الزيادة السكانية التي تلتهم أي زيادة في التنمية، بطرح حلول عملية وعرض تجارب دول واجهت المشكلة أو حوّلت الزيادة إلى ثروة بشرية.

أما وعدنا لكم فهو هذا: سنسمّي السلوك لا الشخص، وسنفصل دائماً بين ما هو جريمة أخلاقية وما هو جريمة قانونية، ولن نختلق واقعة ولا رقماً ولا اسماً. وسننهي كل مقال بسؤال واحد: ما المطلوب؟ من المواطن أن يبدأ بنفسه ويرفض بأدب وحزم، ومن الدولة أن تطبّق القوانين القائمة قبل أن تسنّ جديدة. حتى تختفي هذه العادات من المشهد المصري، سنظل نقولها: كده غلط.

مشاركة

مواد ذات صلة

«كده غلط».. السم في الطبق والعصا على الظهر: إيذاء الحيوان جريمة في قانون العقوبات المصري منذ 1937
كده غلط

«كده غلط».. السم في الطبق والعصا على الظهر: إيذاء الحيوان جريمة في قانون العقوبات المصري النافذ منذ 1937

جار يضع أطباقاً مسمومة بجوار سور المدرسة، وصاحب عربة يضرب حماره على وجهه لينهض بحمل يفوق طاقته. كثيرون يظنون أن «مجرد حيوان» يعني أن لا قانون يحميه. الحقيقة أن المواد 355 و356 و357 من قانون العقوبات تعاقب على قتل الحيوان وتسميمه وإيذائه بعقوبات تصل إلى السجن. عشية اليوم العالمي للحيوان، نشرح ما يقوله القانون وما هو السلوك الصحيح.

٣ أكتوبر ٢٠٢٦ · ٦ دقائق قراءة

راكبان بلا خوذة على دراجة نارية يمران بطريق ريفي، وعلى جانبه أكوام قمامة مشتعلة يتصاعد منها الدخان
كده غلط

أربعة فوق موتوسيكل بلا خوذة: الرأس المكشوف أغلى ما يمكن أن تخسره الأسرة على الطريق

في الأسبوع الثاني من المدارس يتكرر المشهد نفسه: أب يقود الموتوسيكل، طفل أمامه وآخر خلفه والأم تمسك بالحقائب، ولا خوذة واحدة بينهم. تغطيات صحفية تنقل عن الجهاز المركزي للإحصاء قفزة في وفيات الدراجات النارية من 190 إلى 897 بين عامي 2020 و2024، بينما تثبت مراجعة كوكرين أن الخوذة وحدها تخفض خطر الوفاة 42%. القانون يعاقب على الرأس المكشوف منذ 1999 ورفع الغرامة عام 2008، فلماذا لا نلتزم؟

٢٣ سبتمبر ٢٠٢٦ · ٨ دقائق قراءة

شارع في إحدى المدن المصرية تصطف على جانبيه عمارات ملوّنة ومحال، وأعمدة إنارة على الرصيف تحت سماء صافية
كده غلط

«وصلة على الكابل» ليست شطارة: سرقة التيار الكهربائي جريمة يدفع ثمنها الحي كله

سلك عارٍ يتدلى من عمود الإنارة إلى شرفة، وتكييف يدور على حساب عدّاد لا يتحرك، وفيوز الكابينة يطير للمرة الثالثة فينطفئ بيت الجار الذي يدفع فاتورته. المادة 71 من قانون الكهرباء تسمّي هذا الفعل استيلاءً على التيار، وتعاقب عليه بالحبس والغرامة، وتعديل أشد ينتظر كلمة مجلس النواب. ماذا يخسر الشارع كله من وصلة واحدة؟ وما البديل الصحيح؟

١٤ سبتمبر ٢٠٢٦ · ٧ دقائق قراءة