تخطَّ إلى المحتوى

نهر واحد وإحدى عشرة دولة: دبلوماسية حوض النيل ببساطة

تعتمد مصر على النيل في أكثر من تسعة أعشار مياهها العذبة، وتقف في آخر مجرى نهر يتقاسمه أحد عشر بلدا. من اتفاقيات 1929 و1959 إلى مبادرة حوض النيل وسد النهضة، نشرح خريطة المصالح والقانون والتفاوض في واحد من أهم ملفات الأمن القومي المصري والعربي.

هيئة التحرير·نُشر في ١٨ أغسطس ٢٠٢٦·٨ دقائق قراءة
صورة جوية لوادي النيل عند حدّ الزراعة: حقول خضراء تتوقف فجأة عند حافة الصحراء، وبالونات هواء ساخن فوقها
Fanny Schertzer / Wikimedia Commons (CC BY-SA 4.0)

ليس النيل مجرد نهر يجري في مصر؛ إنه سبب وجودها كما لاحظ المؤرخ الإغريقي هيرودوت حين وصفها بأنها «هبة النيل». واليوم يتقاسم حوض النهر أحد عشر بلدا من بحيرات أفريقيا الاستوائية إلى البحر المتوسط، وتقف مصر في آخر المجرى معتمدة على النهر في أكثر من تسعة أعشار مواردها المائية العذبة، وهو ما يجعل دبلوماسية الحوض ملفا وجوديا بمعنى الكلمة.

يمتد النهر نحو 6650 كيلومترا ليكون أطول أنهار العالم أو من أطولها، ويتغذى من رافدين رئيسيين: النيل الأبيض المنحدر من بحيرات الهضبة الاستوائية، والنيل الأزرق الهابط من مرتفعات إثيوبيا والذي يسهم مع نهر عطبرة بالنصيب الأكبر — نحو خمسة وثمانين في المئة — من المياه التي تبلغ مصر، ولا سيما في موسم الفيضان.

واعتماد مصر على النهر شبه مطلق؛ فالأمطار فيها شحيحة والصحراء تغطي معظم مساحتها، ونصيب الفرد من المياه المتجددة تراجع مع تجاوز عدد السكان مئة مليون نسمة إلى ما دون خط الفقر المائي المتعارف عليه دوليا عند ألف متر مكعب سنويا، بل اقترب من نصف هذا الخط في السنوات الأخيرة.

ويستند الموقف القانوني المصري إلى اتفاقيات تاريخية أبرزها اتفاقية 1929 المبرمة مع بريطانيا نيابة عن مستعمراتها في شرق أفريقيا، واتفاقية 1959 مع السودان التي وزعت إيراد النهر المحسوب عند أسوان: نحو 55.5 مليار متر مكعب لمصر و18.5 مليار للسودان. غير أن دول المنابع لم تكن طرفا في هذه الاتفاقيات وتعلن رفضها لها، معتبرة إياها إرثا استعماريا لا يلزمها.

وحاولت دول الحوض بناء إطار جامع عبر «مبادرة حوض النيل» التي أُطلقت عام 1999 منتدى للتعاون الفني وبناء الثقة، ثم عبر الاتفاقية الإطارية للتعاون الموقعة في عنتيبي عام 2010، التي انضمت إليها دول منابع عدة بينما تحفظت مصر والسودان على نصوص تتعلق بالأمن المائي والحقوق التاريخية، فبقي الحوض حتى اليوم بلا إطار قانوني يجمع دوله كلها.

وجاء سد النهضة الإثيوبي الكبير ليضع الخلاف في قلب السياسة الدولية؛ فمنذ بدء إنشائه عام 2011 على النيل الأزرق قرب الحدود السودانية نما ليكون من أكبر سدود الطاقة الكهرومائية في أفريقيا، ببحيرة تخزين تناهز سعتها 74 مليار متر مكعب. تراه إثيوبيا قاطرة للتنمية وكهربة عشرات الملايين من بيوتها، وتراه القاهرة والخرطوم مشروعا يمس شريان حياتهما ما لم تحكمه قواعد ملزمة.

وتتركز مطالب مصر والسودان في اتفاق قانوني ملزم ينظم ملء بحيرة السد وقواعد تشغيله، ويضع بروتوكولات واضحة للتعامل مع سنوات الجفاف الممتد، وآليات منتظمة لتبادل البيانات وضمانات للسلامة الإنشائية، بحيث لا تتحول إدارة النهر إلى قرارات أحادية تُتخذ عند المنبع وتتحمل دول المصب نتائجها.

وشهد المسار التفاوضي محطات عدة أبرزها إعلان المبادئ الذي وقعه قادة البلدان الثلاثة في الخرطوم عام 2015، ثم جولات برعاية الولايات المتحدة والبنك الدولي فالاتحاد الأفريقي، من دون بلوغ اتفاق ملزم، فيما مضت إثيوبيا في مراحل الملء خلال مواسم الأمطار المتعاقبة وبدأت توربينات السد إنتاج الكهرباء فعليا.

وفي الداخل لا تنتظر مصر نتائج التفاوض مكتوفة اليدين؛ فقد توسعت في معالجة مياه الصرف الزراعي وإعادة استخدامها بمحطات عملاقة في مقدمتها محطة بحر البقر المصنفة بين الأكبر عالميا، وفي تحلية مياه البحر على السواحل، وتأهيل الترع وتبطينها، وترشيد الري الحقلي، وتقييد المساحات المنزرعة بالمحاصيل الشرهة للمياه مثل الأرز.

ويذكّر كثير من الخبراء بأن النهر يمكن أن يكون جسرا للتعاون لا ساحة للنزاع؛ فالربط الكهربائي وتجارة الطاقة والاستثمارات المشتركة في التخزين والزراعة والملاحة يمكن أن تعود على الحوض كله بمنافع تتجاوز أي مكاسب أحادية، خاصة مع النمو السكاني المطرد في دول الحوض وضغوط تغير المناخ على الجميع بلا استثناء.

ويبقى الملف بالنسبة للقارئ المصري والعربي قصة أمن قومي بامتياز؛ فالمياه هنا ليست موردا اقتصاديا فحسب بل شرط الحياة ذاته، ولذلك ستظل دبلوماسية حوض النيل — بمفاوضاتها وقممها وأطرها القانونية — واحدة من أهم جبهات السياسة الخارجية المصرية لعقود مقبلة.

مشاركة

مواد ذات صلة

منظر عام لأسطح القاهرة وعماراتها المتلاصقة الممتدة حتى الأفق تحت سماء شاحبة
الأخبار العالمية

ثقب في السماء يلتئم بمعاهدة: قصة بروتوكول مونتريال ودور مصر في إنقاذ طبقة الأوزون

في 16 سبتمبر يحتفل العالم بيوم طبقة الأوزون، ذكرى معاهدة هي من أول المعاهدات في تاريخ الأمم المتحدة التي صادقت عليها كل دول الأرض، ونجحت فعلًا. من ورقة علمية في 1974 إلى توقيع مونتريال في 1987، ومن تصديق مصر المبكر في 1988 إلى تعديل كيغالي في 2023: قصة عبوة غاز التبريد في يد الفني، ولماذا يتوقع العلماء تعافي السماء حوالي 2040.

١٦ سبتمبر ٢٠٢٦ · ٧ دقائق قراءة

مندوب الجمهورية اليمنية في مقعده خلال اجتماع لجامعة الدول العربية، وأمامه علم بلاده ولافتة باسمها
الأخبار العالمية

الجامعة العربية: بيت العرب الذي تطل نوافذه على ميدان التحرير

على خطوات من ميدان التحرير يقف «بيت العرب»: من أقدم المنظمات الإقليمية في العالم، وُلد في القاهرة قبل ميثاق الأمم المتحدة نفسه. كيف تعمل قممه وأمانته؟ لماذا لا تُلزم قراراته إلا من يقبلها؟ وما حكاية الرحيل إلى تونس ثم العودة؟ جولة داخل جارٍ عتيق نمر به كل يوم ولا نكاد نعرفه.

٢ سبتمبر ٢٠٢٦ · ٧ دقائق قراءة

الأمين العام للأمم المتحدة يصافح أحد المندوبين داخل قاعة مجلس الأمن قبل بدء الجلسة
الأخبار العالمية

تحت السقف الأزرق: كيف تعمل الأمم المتحدة ومن يملك «الفيتو» في مجلس الأمن؟

كلما اشتعلت أزمة سمعتَ أن مجلس الأمن اجتمع وأن دولة رفعت «الفيتو». لكن ماذا يجري فعلًا تحت السقف الأزرق؟ رحلة من قاعة الجمعية العامة إلى طاولة حدوة الحصان: كيف يولد القرار الأممي، متى يكون ملزمًا، كيف تجهضه كلمة واحدة، وأين مقعد مصر من المشهد؟

٢٦ أغسطس ٢٠٢٦ · ٨ دقائق قراءة