تخطَّ إلى المحتوى

أربع عشرة لجنة و727 اجتماعًا: أين يُصنع رأي مجلس الشيوخ قبل أن يصل إلى الجلسة العامة؟

الجلسة العامة هي الواجهة، أما المصنع فغرفة فيها طاولة طويلة وأكوام أوراق. في هذا الشرح غير الحزبي نمشي مع الموضوع خطوة بخطوة داخل اللجان النوعية الأربع عشرة لمجلس الشيوخ: من يُنتخب في أكتوبر، وكيف تُحال الدراسة، ومن يُدعى للاستماع، وكيف يُكتب التقرير ثم يُوزَّع على أعضاء المجلس قبل الجلسة بأربع وعشرين ساعة على الأقل.

هيئة التحرير·نُشر في ٧ أكتوبر ٢٠٢٦·٨ دقائق قراءة
مبنى البرلمان المصري في العاصمة الإدارية الجديدة، تعلوه قبة وتمتدّ أمام واجهته صفوف من الأعمدة، ويحيط به طريق حديث وأرض صحراوية مفتوحة
Abdelrhman 1990 / Wikimedia Commons (CC BY 4.0)

في مساءٍ من أكتوبر، بينما يبرد الشاي على الطاولة، تمرّ على الشاشة لقطة مألوفة: قاعة واسعة، صفوف مقاعد منتظمة، رئيس الجلسة يمسك الجرس، عضو يتحدث دقيقتين، ثم ينتقل موجز الأخبار إلى شيء آخر. يلتقط المشاهد انطباعًا سريعًا ويطويه: هذا هو البرلمان إذن، جلسةٌ وكلمةٌ وتصفيق مهذّب. والحقيقة أن ما رآه واجهة العرض لا المصنع. المصنع غرفة أصغر، فيها طاولة طويلة وأكوام أوراق مُظلَّلة بالقلم، اسمها في لغة البرلمان: اللجنة النوعية.

الأرقام وحدها كفيلة بقلب الصورة. ففي حصاد دور الانعقاد العادي الأول من الفصل التشريعي الثاني لمجلس الشيوخ — وهو الدور الذي أُعلن فضّه في الثالث والعشرين من يونيو 2026 — عقدت اللجان النوعية 727 اجتماعًا استغرقت 654 ساعة و35 دقيقة، مقابل 28 جلسة عامة استغرقت 104 ساعات و25 دقيقة. أي أن الزمن المُنفَق بعيدًا عن الكاميرا يزيد على ستة أمثال الزمن المُنفَق أمامها. وأمانةً: هذه الأرقام منشورة في تغطية الجلسة الختامية على بوابة برلمانية إلكترونية خاصة (parlgate.com) وننسبها إليها صراحةً، وهي ليست بيانًا رسميًا للمجلس على حد علمنا حتى تاريخ كتابة هذه السطور. لكن معناها هو ما يهمّ القارئ: الرأي لا يولد في القاعة الكبيرة، بل يصل إليها جاهزًا تقريبًا.

واللجنة النوعية ليست ترتيبًا إداريًا يتغيّر بالمزاج، بل نصٌّ مكتوب. فالمادة 38 من اللائحة الداخلية لمجلس الشيوخ، الصادرة بالقانون رقم 2 لسنة 2021، تُنشئ باسمها أربع عشرة لجنة: الشؤون الدستورية والتشريعية؛ الشؤون المالية والاقتصادية والاستثمار؛ الشؤون الخارجية والعربية والأفريقية؛ الدفاع والأمن القومي؛ الصناعة والتجارة والمشروعات المتوسطة والصغيرة ومتناهية الصغر؛ الطاقة والبيئة والقوى العاملة؛ الإسكان والإدارة المحلية والنقل؛ التعليم والبحث العلمي والاتصالات وتكنولوجيا المعلومات؛ الشباب والرياضة؛ الصحة والسكان؛ الزراعة والري والموارد المائية؛ حقوق الإنسان والتضامن الاجتماعي؛ الثقافة والسياحة والآثار والإعلام؛ الشؤون الدينية والأوقاف. اقرأ القائمة وأنت تفكّر في يومك: أنبوبة الغاز، وكشف المستشفى، وحصة ابنك، ونوبة الري في أرض قريتك.

أما لماذا يُطلب رأي هذا المجلس أصلًا فمسألة يحسمها الدستور في المادتين 248 و249: الأولى تجعل اختصاصه دراسةَ واقتراحَ ما يراه كفيلًا بتوسيد دعائم الديمقراطية ودعم السلام الاجتماعي، والثانية تُعدّد ما يُؤخذ فيه رأيه من مقترحات تعديل الدستور ومشروعات القوانين المحالة إليه. وقد أفردنا لذلك مقالًا بعنوان «مجلس الشيوخ المصري: التكوين والاختصاصات والحدود»؛ فحديثنا اليوم عن «كيف يفعله» لا عن «ماذا يفعل».

والبداية في أكتوبر نفسه، وهي بداية منصوص عليها لا عادةٌ جرت: فالمادة 115 من الدستور تُوجب دعوة المجلس للانعقاد للدور العادي السنوي قبل يوم الخميس الأول من شهر أكتوبر، والمادة 254 تجعل هذا الحكم ساريًا في شأن مجلس الشيوخ. ومع الافتتاح تتحرك المادة 43 من اللائحة: «تنتخب كل لجنة، في أقرب وقت ممكن، في بداية كل دور انعقاد عادي من بين أعضائها رئيسًا ووكيلين وأمينًا للسر، وذلك بالأغلبية المطلقة لعدد أعضائها». والعبارة دقيقة: «في بداية كل دور انعقاد عادي»، لا مرة واحدة في الفصل التشريعي كله؛ أي أن أربعة مواقع في كل لجنة — ستة وخمسين موقعًا في المجلس كله — تُحسم في أقرب وقت ممكن من الافتتاح. ويجري الانتخاب بالاقتراع السري تحت إشراف لجنة يشكّلها مكتب المجلس من أعضاء لم يتقدموا للترشح، فإن لم يتقدم غير العدد المطلوب أُعلن الفوز بالتزكية. ونحن لا نسمّي أحدًا؛ فالمقصود آليةٌ لا أشخاص.

بعد ذلك يبدأ الرحيل اليومي للأوراق. لا تختار اللجنة موضوعاتها من الهواء، بل تصلها بالإحالة: تتولى كل لجنة دراسة ما يُحال إليها من مشروعات القوانين والموضوعات الداخلة في اختصاصها (المادة 61)، ومشروع القانون الوارد إلى المجلس يعرضه رئيسه في أول جلسة تالية لوروده ليقرر المجلس إحالته إلى اللجنة المختصة، وللرئيس أن يحيله إلى اللجنة المختصة مباشرةً ثم يخطر المجلس بذلك في أول جلسة (المادة 136). خطوة تبدو شكلية وهي ليست كذلك: تحديد اللجنة يحدّد الخبرة التي ستقرأ النص والأسئلة التي ستُطرح.

ثم تنعقد الغرفة. وللاجتماع نصابه: لا يكون انعقاد اللجنة صحيحًا إلا بحضور ثلث أعضائها، ولا تتخذ قرارًا في موضوع معروض عليها إلا بحضور أغلبية أعضائها، فإذا لم تكتمل هذه الأغلبية أجّل رئيسها التصويت إلى اجتماع تالٍ (المادة 72). وعلى الطاولة النص المعروض ومذكرته الإيضاحية — وهما ما تُوجب اللائحة إرفاقهما بالتقرير في نهاية المطاف (المادة 80) — ويحضر إلى جوارهما رأي الحكومة على لسان من يمثّلها؛ فلرئيس مجلس الوزراء والوزراء أن يحضروا اجتماعات اللجان، وعلى اللجنة أن تستمع إليهم متى طلبوا الكلام (المادة 76). وهنا الفارق بين الغرفة والقاعة: في الجلسة يتكلم الوزير أمام الرأي العام، وفي اللجنة يجلس أمام متخصصين يعرفون الملف، فيصير الحديث مراجعةً لا خطبة.

وللغرفة أن تستدعي من هو خارج البرلمان. فللّجنة أن تشكّل من أعضائها لجنة فرعية لدراسة ما يُعرض عليها، ولها أن تستعين في عملها بالمستشارين والمتخصصين وغيرهم من الخبراء (المادة 68)، بل تُعِدّ كل لجنة في بداية دور الانعقاد بيانًا بأسماء الخبراء المتخصصين والبارزين في ميادين عملها يُحفظ في سجل خاص (المادة 91). هنا تدخل الحياة الواقعية إلى النص: أستاذ الاقتصاد الذي يشرح أثر جدول ضريبي، والطبيب الذي يصف ما يعنيه بندٌ في قانون على غرفة عمليات. فالاستماع ليس مجاملة، بل هو ما يمنع أن يُكتب قانون في غرفة مغلقة على أهلها.

وحين تنتهي المداولة تبدأ أصعب خطوة: كتابة التقرير. وتقرير اللجنة ليس محضرًا يسرد من قال ماذا، بل وثيقة يجب أن تتضمن بيانًا بالإجراءات المتَّبعة، ورأي اللجنة وأسبابه، والآراء الأخرى التي طُرحت (المادة 80)، وأن يحمل الآراء المخالفة لأصحابها متى طلبوا إثباتها كتابةً. أي أن المخالف لا يُطوى صوته بمجرد أن تصوّت الأغلبية؛ يبقى رأيه في المتن، يقرؤه من يعود إلى الوثيقة بعد سنوات ليعرف كيف فُكِّر في المسألة يومها.

ثم يخرج التقرير من الغرفة إلى القاعة، ولهذا الخروج ميقات: يجب توزيعه على أعضاء المجلس قبل الجلسة المحددة لنظره بأربع وعشرين ساعة على الأقل (المادة 85)، فلا يُفاجأ العضو بنصٍّ لم يره ثم يُطلب رأيه فيه بعد دقائق. وهي قاعدة لا استثناء لها إلا بقرار: فالمادة نفسها تُجيز لمكتب المجلس في الأحوال العاجلة أن يدرج الموضوع بجدول الأعمال مع الاكتفاء بتلاوة التقرير في الجلسة. وهذا الاستثناء مقياس في ذاته؛ فكلما ندر اللجوء إليه بقي عمل اللجنة قابلًا للمراجعة، لأن التقرير حين يُوزَّع يصير من أوراق الجلسة: يُناقَش ويُحتجّ به ويُرجَع إليه.

بهذا الترتيب تفهم لماذا تبدو الجلسة العامة سريعة ومحسومة: هي رأس الجبل لا الجبل. فحصيلة الدور الأول — بحسب البوابة الخاصة نفسها التي ذكرناها — سبعة مشروعات قوانين، وسبعة عشر طلبًا للمناقشة العامة، ومئتان وخمسة عشر اقتراحًا برغبة، ودراسة أثر تشريعي واحدة. عدد الجلسات صغير لأن ما وصل إليها كان قد نُوقش وكُتب فيه تقرير. ومن يقيس البرلمان بعدد جلساته كمن يقيس المطبخ بعدد الأطباق الخارجة من الباب.

ولا تظنّ الغرفة مغلقة على أوراقها دائمًا؛ فاللجان تخرج أحيانًا إلى الميدان، وللخروج سنده: للجنة من خلال رئيس المجلس أن تحصل على البيانات والوثائق من أي جهة رسمية أو عامة، ولها أن تقوم بزيارات ميدانية تتعلق بفحص موضوع محال إليها بعد موافقة مكتب المجلس، ويتحمل المجلس نفقاتها (المادة 92). وتسجّل بيانات الحصاد أربع زيارات ميدانية للجان المجلس في ذلك الدور: قصر التحرير في يناير، وقرية تُطون بالفيوم وأكاديمية الشرطة في مايو، ومطار القاهرة في يونيو. ونحن ننقل الإحصاء لا المحاضر، لكن للبند دلالته: أن المعاينة بالعين من أدوات الدراسة.

يبقى سؤال يطرحه كثيرون بحسن نية: أليس هذا كله بطيئًا؟ نعم، وهذا هو المقصود. فغرفة تنعقد بثلث أعضائها ولا تقرّر إلا بحضور أغلبيتهم، وتستمع إلى الوزير وإلى الخبير، وتُثبت مخالفة المخالف، وتوزّع ورقتها قبل الجلسة بيوم — ليست بيروقراطية زائدة، بل هي الفارق بين رأيٍ نضج ورأيٍ ارتُجل. ثم إن الغرفة مسؤولة عن إنتاجها: تُلزم المادة 90 كل لجنة بأن تقدّم لرئيس المجلس، قبل نهاية كل دور انعقاد عادي، تقريرًا عن أوجه نشاطها خلال الدور — فلا يضيع سؤال «ماذا أُحيل إليكم وماذا أنجزتم؟» بين دورٍ ودور.

فماذا يفعل القارئ بهذا كله في مساء أكتوبري عادي؟ شيء واحد عملي: توقّف عند اسم اللجنة. حين تسمع خبرًا عن قانون يخصّ إيجارك أو دواءك أو مصروفات مدرسة ابنك، اسأل أولًا: إلى أي لجنة من الأربع عشرة أُحيل؟ ثم اعلم أن جلسات اللجان في ذاتها غير علنية بنص اللائحة (المادة 71)، فبابك إليها ليس باب الغرفة بل ما يخرج منها: ما تنشره المصادر الرسمية للمجلس، وما يُتلى من تقارير في الجلسة العامة وتحفظه مضبطتها، وتقرير اللجنة حين يُتاح. ابحث فيه عن ثلاثة أشياء: ماذا اقترحت اللجنة، ولماذا، ومن خالفها ولماذا. وحين تعود إلى تلك اللقطة — القاعة والمقاعد والجرس — ستعرف أنها نهاية الحكاية لا بدايتها، وأن الحكاية جرت في غرفة بطاولة طويلة، تحمل اسمًا يشبه اسم همّك.

مشاركة

مواد ذات صلة

مبنى البرلمان المصري الجديد بقبته المركزية وأعمدته في العاصمة الإدارية، وأمامه طريق ومساحة رملية
مجلس الشيوخ

عين البرلمان على الحكومة: من طلب الإحاطة إلى سحب الثقة.. أدوات الرقابة كما رسمها الدستور

من سؤالٍ يُوجَّه لوزير إلى استجوابٍ قد يُسقط حكومة: جولة عملية داخل صندوق أدوات الرقابة البرلمانية كما رسمها دستور 2014 وتعديلات 2019، والفرق بين ما يملكه النواب وما يملكه الشيوخ، وكيف تتابع بنفسك ما يجري تحت القبة.

٦ سبتمبر ٢٠٢٦ · ٧ دقائق قراءة

طابور من الناخبات المصريات ينتظرن الإدلاء بأصواتهن في أحد شوارع القاهرة، صورة من انتخابات 2011
مجلس الشيوخ

مجلس الشيوخ 2026: لا انتخابات هذا العام.. دليلك إلى النظام والتصويت والاستحقاق المقبل

لا اقتراع لمجلس الشيوخ في 2026: المجلس الحالي انتُخب في أغسطس 2025 لولاية خمس سنوات، والاستحقاق المقبل في 2030. دليل محايد لنظام المقاعد، وشروط التصويت، وطرق معرفة اللجنة، وتوقيت إعلان النتائج.

٢٠ أغسطس ٢٠٢٦ · ٧ دقائق قراءة

قبتا مرصد فلكي في الصحراء تحت سماء مرصّعة بالنجوم يظهر فيها حزام الجبار
الابتكارات العلمية

عين مصر على السماء: مرصد القطامية.. مرآة الـ74 بوصة التي ترصد الكون من الصحراء الشرقية منذ 1964

على هضبة صحراوية شرق القاهرة قبة تُفتح عند الغروب منذ أكثر من ستين عاماً. في أسبوع الفضاء العالمي نحكي قصة تبدأ من مرصد العباسية والخديوي في حلوان ومذنب هالي، وتصل إلى مرآة عملاقة تعاقدت عليها مصر عام 1948 وحدّثتها بأجهزة يابانية.. وتذكّر كل طالب بأن الفلك في مصر مهنة لا تراث فقط.

٦ أكتوبر ٢٠٢٦ · ٧ دقائق قراءة