تخطَّ إلى المحتوى

قنبلة على عجلات: السرعة بالسيارات المتهالكة استهتار بحياة الناس

فرامل نصف عاملة، وإطارات ملساء، وأنوار مطفأة، وسائق يطير بها على الطريق كأنها خرجت لتوّها من المصنع. السيارة المتهالكة المسرعة ليست وسيلة مواصلات بل خطر متحرك يهدد كل أسرة على الطريق. كده غلط: حريتك في سيارتك تنتهي عند حق الآخرين في الوصول إلى بيوتهم أحياء.

نُشر في ١٨ أغسطس ٢٠٢٦·٦ دقائق قراءة

كلنا رأيناها على الطرق السريعة وداخل المدن: سيارة أكل الصدأ هيكلها، تتمايل حين تتجاوز، مصباح خلفي مكسور وآخر مطفأ، دخان أسود يتصاعد من عادمها، وإطارات محيت نقوشها من طول الاستعمال. المفزع ليس حالتها، فقد يكون صاحبها معذوراً في ضيق ذات اليد، المفزع أنها تنهب الأرض بسرعة جنونية، تتجاوز من اليمين والشمال، وكأن سائقها يقود سيارة سباق لا هيكلاً يتداعى.

لنقلها بوضوح: قيادة سيارة غير صالحة فنياً بسرعة عالية ليست شطارة ولا اضطراراً، بل اعتداء أخلاقي على كل من يشاركك الطريق. الفرامل التي تحتاج ضغطتين لتستجيب، والإطار الأملس الذي ينزلق مع أول بلل، والمقود المرتخي، كلها ليست تفاصيل فنية، بل هي المسافة بين موقف عابر وكارثة تفجع أسراً كاملة.

تخيّل المشهد الذي لا نتمناه لأحد: طريق مزدحم في ساعة الذروة، وميكروباص متهالك يندفع متجاوزاً، ثم يفاجأ بسيارة تهدئ أمامه. سائق السيارة السليمة يضغط الفرامل فتستجيب، أما المتهالكة فتستجيب متأخراً أو لا تستجيب. في تلك الثواني لا يدفع الثمن صاحب السيارة وحده، بل الأسرة في السيارة المجاورة، والعامل على جانب الطريق، وراكب لا ذنب له سوى أنه استقل المركبة الخطأ.

وهنا يجب أن نتوقف أمام مفارقة مؤلمة: كثير من هذه المركبات تعمل في نقل الناس أنفسهم، من ميكروباصات وسيارات أجرة انتهى عمرها الافتراضي منذ سنوات. أي أن الضحية المحتملة تدفع أجرة رحلتها نحو الخطر، وهي لا تملك رفاهية الاختيار في مناطق لا بديل فيها. هذا يضاعف المسؤولية الأخلاقية على المالك والسائق، ويضاعفها على الجهات التي يفترض أنها فحصت ورخصت.

القانون هنا ليس غائباً على الورق. قانون المرور المصري يشترط الفحص الفني للمركبة كشرط لترخيصها وتجديد رخصتها، ويعاقب على القيادة بمركبة غير صالحة وعلى تجاوز السرعات المقررة. فكيف تسير بيننا مركبات يرى أي عابر بعينه المجردة أنها غير صالحة؟ الإجابة المؤسفة يعرفها الجميع: فحص يتحول أحياناً إلى إجراء شكلي، وسائق يراهن على أن أحداً لن يوقفه.

لكن قبل أن نلقي الحمل كله على الرقابة، فلنواجه أنفسنا: من يقود سيارة يعرف أن فرامها ضعيفة ثم يسرع بها، لا يحتاج كمين مرور ليعرف أنه مخطئ. هو يعرف. لكنه يراهن كل يوم على حظه، والمشكلة أن الرهان ليس على حياته وحده، بل على حياة أناس لم يوافقوا على دخول هذا الرهان أصلاً.

وسنقولها بلا مواربة كما نقولها لصاحب السيارة الفارهة الذي يلقي القمامة من نافذته: الفقر ليس تهمة، وضيق الحال ليس عيباً، لكن السرعة الجنونية بسيارة متهالكة ليست قدراً مفروضاً على أحد. يمكنك أن تقود السيارة نفسها ببطء وحذر حتى تتمكن من إصلاحها، فالبطء بسيارة ضعيفة تواضع محمود، أما السرعة بها فغرور قاتل.

المطلوب من السائق والمالك: صارح نفسك بحالة سيارتك، وأصلح ما يمس السلامة قبل أي شيء آخر — الفرامل والإطارات والأنوار ليست كماليات. وإن لم تستطع الإصلاح فقد، على الأقل، بسرعة تحترم حالة مركبتك. ومن يعمل بسيارته في نقل الركاب فمسؤوليته مضاعفة، لأن من يدفعون له الأجرة ائتمنوه على أرواحهم.

والمطلوب من الدولة: فحص فني حقيقي لا ختماً روتينياً، ورقابة على الطرق تستهدف المركبات الظاهرة التهالك قبل غيرها لا بعد وقوع الحوادث، وبرامج تيسير حقيقية لإحلال المركبات المتقادمة خاصة العاملة في النقل الجماعي، حتى لا يكون أمام السائق الفقير خيار وحيد هو المقامرة بحياة الناس.

الطريق ملك مشترك، وأضعف من فيه — المشاة والأطفال وركاب المواصلات — يستحقون أن يكون أقوى من فيه أكثرهم حذراً. سيارة متهالكة تمشي الهوينى نتفهمها ونحترم صاحبها، أما سيارة متهالكة تطير على الطريق فهي قنبلة على عجلات. كده غلط، وحياة الناس ليست ساحة اختبار لحظ أحد.

مواد ذات صلة

لافتة توعية عامة ضد ختان الإناث معروضة في فعالية مجتمعية، ويقف بجوارها عدد من الحضور.
كده غلط

ختان الإناث: جريمة يجرمها القانون ويرفضها الدين والطب... وليست عادة تستحق البقاء

لا يزال ختان الإناث يمارس في صمت تحت اسم العادة وصحيح الدين، رغم أن القانون المصري يجرمه بعقوبات مشددة، ورغم أن الأزهر ودار الإفتاء أعلنا أنه لا أصل له في الدين، ورغم إجماع الطب على أنه ضرر محض بلا فائدة واحدة. هذا المقال ليس اتهاماً للأسر بل نداء لحمايتها: حماية بناتنا تبدأ بكلمة «لا» يقولها أب وأم.

١٨ أغسطس ٢٠٢٦ · ٧ دقائق قراءة

كده غلط

«الأرض أرضي»: السايس البلطجي حين تتحول الإتاوة إلى خدمة إجبارية

يقف في شارع لا يملك منه حجراً، يوزع أماكن الانتظار كأنها عزبته، ويحدد التسعيرة بمزاجه، ومن يعترض فمفتاح حاد على جنب السيارة أو كلمة تجرح أمام الأسرة. السايس غير المرخص الذي يفرض نفسه بالترهيب ليس مقدم خدمة بل جابي إتاوة. كده غلط: الشارع ملك عام، والقانون نظم المهنة فلا عذر لبلطجة تلبس ثوبها.

١٨ أغسطس ٢٠٢٦ · ٥ دقائق قراءة

كده غلط

الرصيف حق المواطن: الأكشاك التي تدفع المشاة إلى الموت في نهر الطريق

أم تدفع عربة طفلها وسط السيارات، وكهل يتحسس طريقه بجوار الميكروباصات، لأن الرصيف الذي بني لهما ابتلعه كشك وثلاجات مشروبات وبضاعة معروضة. الكشك فوق الرصيف — حتى لو كان مرخصاً — يصادر ممراً بني للناس ويدفعهم إلى نهر الطريق. كده غلط: الرصيف ليس عقاراً يؤجر، بل شريان أمان لكل مواطن.

١٨ أغسطس ٢٠٢٦ · ٥ دقائق قراءة