قناة السويس: الممر المصري في قلب التجارة العالمية
خط مائي رفيع بطول 193 كيلومترا يمر عبره نحو عُشر التجارة العالمية المنقولة بحرا. من حفر 1869 إلى تأميم 1956 وتوسعة 2015 وجنوح «إيفر جيفن»، نروي قصة الممر الذي يجعل من مصر عقدة لا غنى عنها في شرايين الاقتصاد العالمي.

على الخريطة ليست سوى خط أزرق رفيع يشق الصحراء بطول نحو 193 كيلومترا، لكنها في الاقتصاد العالمي واحد من أهم الطرق المختصرة التي حفرها الإنسان؛ فقناة السويس تصل البحر المتوسط بالبحر الأحمر وتوفر على السفن رحلة الالتفاف الطويلة حول أفريقيا، ويمر عبرها ما تقدره المصادر عادة بنحو عُشر التجارة العالمية المنقولة بحرا أو يزيد. وهي لمصر أصل استراتيجي ومصدر رئيسي للعملة الصعبة ورمز للسيادة الوطنية في آن واحد.
افتُتحت القناة عام 1869 بعد نحو عشر سنوات من الحفر الذي قاده الفرنسي فرديناند دو لسبس وتحملت أعباءه الكبرى سواعد عشرات الآلاف من العمال المصريين في ظروف قاسية، واحتفل العالم بافتتاحها في واحد من أضخم الأحداث الدولية في القرن التاسع عشر. ومنذ ذلك اليوم تغيرت خرائط الملاحة العالمية إلى الأبد.
وتتميز القناة بأنها ممر على مستوى سطح البحر بلا أهوسة، على خلاف قناة بنما، وهو ما يبسّط العبور؛ إذ تمر السفن في قوافل منظمة توقيتاتها بدقة، وتستغرق الرحلة الكاملة بين المدخلين ما بين عشر ساعات وبضع عشرة ساعة بحسب الاتجاه وكثافة الحركة.
وفي يوليو 1956 أمم الرئيس جمال عبد الناصر شركة قناة السويس، فكان القرار شرارة العدوان الثلاثي وواحدة من أكثر لحظات التاريخ المصري الحديث حضورا في الوجدان الوطني؛ فمنذ ذلك الحين صارت القناة في نظر المصريين ملكا وطنيا خالصا تديره هيئة قناة السويس المصرية.
وأُغلقت القناة أمام الملاحة ثماني سنوات كاملة بين 1967 و1975 بعد الحروب مع إسرائيل، وعلقت في بحيراتها سفن ظلت راسية سنوات طويلة حتى عُرفت باسم «الأسطول الأصفر» لما غطاها من رمال الصحراء، قبل أن يعاد افتتاح الممر عام 1975 وتعود الحركة إليه تدريجيا.
وفي عام 2015 افتُتح مشروع توسعة كبير عُرف بقناة السويس الجديدة: تفريعة موازية بطول نحو 35 كيلومترا مع تعميق قطاعات أخرى من المجرى الأصلي، بما سمح بمرور مزدوج في أجزاء من القناة وقلّص أزمنة الانتظار والعبور. وجرى تمويل المشروع محليا بطرح شهادات استثمار أقبل عليها المواطنون على نطاق واسع.
وتعبر القناة في الأوقات العادية عشرات السفن يوميا وما يقارب عشرين ألف سفينة أو يزيد في السنوات النشطة، وتدر رسوم العبور مليارات الدولارات سنويا، وقد اقتربت الإيرادات في أفضل أعوامها من عتبة تسعة مليارات دولار أو تجاوزتها، لتظل القناة مع السياحة وتحويلات المصريين بالخارج في صدارة موارد النقد الأجنبي للبلاد.
وفي مارس 2021 ذكّرت حادثة جنوح سفينة الحاويات العملاقة «إيفر جيفن» العالم كله بمكانة الممر؛ فقد سدت السفينة المجرى ستة أيام تكدست خلالها مئات السفن عند المدخلين، وقدّر محللون قيمة التجارة المعطلة بمليارات الدولارات يوميا، وتابعت شاشات العالم عمليات التعويم ساعة بساعة حتى تحرر الممر.
وليست مكانة القناة بمنأى عن الجغرافيا السياسية؛ فطريق رأس الرجاء الصالح البديل يضيف إلى الرحلة أسبوعا أو أكثر ووقودا باهظ الكلفة، لكن فترات التوتر الأمني في البحر الأحمر دفعت شركات ملاحة كبرى إلى الالتفاف حول أفريقيا مؤقتا بما خفض أعداد العابرين والإيرادات، في تذكير بأن دخل القناة مرآة لأحوال الإقليم والعالم.
ولا تكتفي مصر اليوم بدور المعبر؛ فالمنطقة الاقتصادية لقناة السويس تضم موانئ ومناطق صناعية ولوجستية في العين السخنة وشرق بورسعيد وغيرهما، ضمن طموح لتحويل ضفتي القناة إلى مركز عالمي للصناعة والخدمات البحرية والتموين وإعادة الشحن، لا مجرد ممر تدفع السفن رسوم عبوره ثم تمضي.
وتبقى القناة في الوجدان المصري أكثر من مشروع اقتصادي؛ فهي حاضرة في مناهج المدارس وذاكرة التأميم وأغاني الحقبة الوطنية، وشاهد يومي على موقع مصر الفريد حيث تلتقي قارات العالم القديم، وحيث يمر جزء من دورة الاقتصاد العالمي كل صباح عبر مياه مصرية خالصة.
مواد ذات صلة

ثقب في السماء يلتئم بمعاهدة: قصة بروتوكول مونتريال ودور مصر في إنقاذ طبقة الأوزون
في 16 سبتمبر يحتفل العالم بيوم طبقة الأوزون، ذكرى معاهدة هي من أول المعاهدات في تاريخ الأمم المتحدة التي صادقت عليها كل دول الأرض، ونجحت فعلًا. من ورقة علمية في 1974 إلى توقيع مونتريال في 1987، ومن تصديق مصر المبكر في 1988 إلى تعديل كيغالي في 2023: قصة عبوة غاز التبريد في يد الفني، ولماذا يتوقع العلماء تعافي السماء حوالي 2040.
١٦ سبتمبر ٢٠٢٦ · ٧ دقائق قراءة

الجامعة العربية: بيت العرب الذي تطل نوافذه على ميدان التحرير
على خطوات من ميدان التحرير يقف «بيت العرب»: من أقدم المنظمات الإقليمية في العالم، وُلد في القاهرة قبل ميثاق الأمم المتحدة نفسه. كيف تعمل قممه وأمانته؟ لماذا لا تُلزم قراراته إلا من يقبلها؟ وما حكاية الرحيل إلى تونس ثم العودة؟ جولة داخل جارٍ عتيق نمر به كل يوم ولا نكاد نعرفه.
٢ سبتمبر ٢٠٢٦ · ٧ دقائق قراءة

تحت السقف الأزرق: كيف تعمل الأمم المتحدة ومن يملك «الفيتو» في مجلس الأمن؟
كلما اشتعلت أزمة سمعتَ أن مجلس الأمن اجتمع وأن دولة رفعت «الفيتو». لكن ماذا يجري فعلًا تحت السقف الأزرق؟ رحلة من قاعة الجمعية العامة إلى طاولة حدوة الحصان: كيف يولد القرار الأممي، متى يكون ملزمًا، كيف تجهضه كلمة واحدة، وأين مقعد مصر من المشهد؟
٢٦ أغسطس ٢٠٢٦ · ٨ دقائق قراءة