تخطَّ إلى المحتوى

الميونات والمسح الضوئي والأقمار الصناعية: علوم جديدة تقرأ أسرار مصر القديمة

لم يعد علم المصريات حكراً على الفرشاة والمعول. من جسيمات كونية تخترق أحجار الهرم الأكبر إلى أشعة مقطعية تكشف أسرار المومياوات دون فك لفائفها، تعيد التكنولوجيا الحديثة كتابة طريقة اكتشاف مصر لماضيها.

نُشر في ١٨ أغسطس ٢٠٢٦·٧ دقائق قراءة
الهرم الأكبر في الجيزة كما يبدو من مستوى الأرض، وهو الأثر الذي تتركز حوله أبحاث التصوير بجسيمات الميون للكشف عن الفراغات الخفية.

طوال قرنين من الزمان، ارتبط علم المصريات في الأذهان بصورة واحدة: عالم آثار منحنٍ فوق الرمال بفرشاة ومعول، ينفض الغبار عن كنوز الماضي. لكن المشهد اليوم تغيّر جذرياً. فالاكتشافات الكبرى في وادي النيل باتت تولد في مختبرات الفيزياء ومراكز التصوير الطبي ومحطات استقبال صور الأقمار الصناعية، بقدر ما تولد في مواقع الحفائر نفسها.

أشهر الأمثلة على هذا التحول مشروع «سكان بيراميدز» الذي أطلقه علماء مصريون ودوليون منتصف العقد الماضي لفحص أهرامات الجيزة ودهشور بتقنيات غير تدخلية. اعتمد المشروع على تصوير الميونات، وهي جسيمات دون ذرية تتساقط على الأرض باستمرار نتيجة اصطدام الأشعة الكونية بالغلاف الجوي، وتملك قدرة على اختراق مئات الأمتار من الصخر.

الفكرة أقرب إلى أشعة سينية لجبل كامل: توضع كواشف حساسة داخل الهرم وحوله، وتُحصى الميونات العابرة من كل اتجاه. فحيثما كانت الكتلة الحجرية أكثف مرّت جسيمات أقل، وحيثما وُجد فراغ مرّت جسيمات أكثر. وبهذه الطريقة أعلن الفريق في عام 2017، في بحث نشرته دورية «نيتشر» العلمية، عن رصد فراغ كبير مجهول فوق البهو الأعظم في الهرم الأكبر، وهو أول اكتشاف من نوعه في الهرم منذ قرون.

ولم يتوقف الأمر عند ذلك، ففي السنوات الأخيرة تأكد وجود ممر خفي خلف الواجهة الشمالية للهرم قرب المدخل الأصلي، بعدما أدخل الباحثون منظاراً دقيقاً عبر فجوة صغيرة بين الأحجار والتقطوا صوراً للممر الفارغ من الداخل — تأكيد مادي لما تنبأت به خرائط الميونات دون نقل حجر واحد.

وفي مجال المومياوات، أحدث التصوير المقطعي المحوسب ثورة موازية. فقد خضعت مومياء الملك الشاب توت عنخ آمون لمسح مقطعي شامل في منتصف العقد الأول من الألفية، كشف تفاصيل عن صحته وعمره عند الوفاة دون المساس بجسده. وذهبت التقنية أبعد من ذلك مع ما يُعرف بـ«الفك الرقمي للفائف»، إذ جرى فحص مومياء الملك أمنحتب الأول رقمياً بالكامل وهي داخل لفائفها وقناعها، فظهرت ملامحه وتمائمه دون فتح اللفائف المقدسة.

أما الحمض النووي القديم فقد فتح باباً ثالثاً. فالدراسات الوراثية التي أجريت على مومياوات ملكية من الأسرة الثامنة عشرة، ونُشرت نتائجها في دورية طبية مرموقة مطلع العقد الماضي، ساعدت في رسم شجرة عائلة توت عنخ آمون وتحديد صلات القرابة بين المومياوات. ويظل العلماء حذرين في هذا المجال، فالمناخ الحار يفتت الحمض النووي عبر آلاف السنين، ويجعل استخلاصه وتحليله من أدق المهام المخبرية وأكثرها عرضة للجدل العلمي.

ومن الفضاء، تسهم صور الأقمار الصناعية في إعادة رسم خريطة مصر الأثرية. فالتصوير بالأشعة تحت الحمراء وتحليل الصور عالية الدقة يكشفان اختلافات دقيقة في التربة والرطوبة تفضح ملامح مبانٍ من الطوب اللبن دفنتها الرمال منذ آلاف السنين، كما تُستخدم الصور نفسها لرصد حفر النبش غير المشروع وحماية المواقع من اللصوص.

وعلى الأرض، تحولت المعابد والمقابر إلى نماذج رقمية ثلاثية الأبعاد بفضل المسح الضوئي بالليزر والتصوير المساحي. فمقابر طيبة الغربية توثَّق اليوم بملايين النقاط الرقمية التي تحفظ كل نقش وكل شرخ، وقد أُنتجت نسخة طبق الأصل من حجرة دفن توت عنخ آمون قرب الأقصر تتيح للزوار تجربة كاملة مع تخفيف الضغط عن المقبرة الأصلية الهشة.

كما دخلت علوم المواد على الخط، إذ تحلل المختبرات أصباغ الجداريات وأملاح الأحجار وألياف البرديات بتقنيات مثل التصوير فوق الطيفي، لفهم أساليب الصناعة القديمة ووضع خطط ترميم علمية. وتؤدي معامل الترميم المصرية، ومنها معامل المتحف المصري الكبير، دوراً متنامياً في تدريب جيل جديد من المرممين والعلماء المصريين على هذه التخصصات الدقيقة.

وفي المحصلة، لا تحل التكنولوجيا محل عالم الآثار، بل تمنحه حواس جديدة. فالآثار مورد محدود لا يتجدد، وكل حفر تقليدي يدمر جزءاً من السياق إلى الأبد. أما الميونات والأشعة والأقمار الصناعية فتكشف دون أن تهدم، وتحفظ للأجيال القادمة حقها في ماضٍ ما زال يحتفظ بمعظم أسراره تحت الرمال.

مواد ذات صلة

الابتكارات العلمية

مصر في الفضاء: وكالة وطنية وأقمار تراقب الأرض والزرع والمياه

أنشئت وكالة الفضاء المصرية بقانون عام 2018، لكن قصة مصر مع الأقمار الصناعية أقدم من ذلك: من إيجيبت سات-1 إلى طيبة-1 ونكس سات. لماذا يحتاج بلد زراعي إلى برنامج فضاء؟ الإجابة في الحقول والمياه والقرى البعيدة.

١٨ أغسطس ٢٠٢٦ · ٦ دقائق قراءة

الابتكارات العلمية

حقل ظُهر: الاكتشاف الذي أعاد رسم خريطة الطاقة في شرق المتوسط

في صيف 2015 أعلنت شركة إيني اكتشاف حقل ظُهر قبالة سواحل بورسعيد، فوُصف يومها بأنه أكبر اكتشاف للغاز في تاريخ البحر المتوسط. هذه قصة الاكتشاف، وكيف يُستخرج الغاز من أعماق البحر، ولماذا غيّر موقع مصر على خريطة الطاقة الإقليمية.

١٨ أغسطس ٢٠٢٦ · ٦ دقائق قراءة

سور الصين العظيم يتلوى فوق سلاسل جبلية خضراء ممتدًا نحو الأفق
الحقيقةزائف

هل يُرى سور الصين العظيم من القمر؟ رواد الفضاء حسموا الإجابة

معلومة محببة في الكتب المدرسية: سور الصين العظيم هو البناء البشري الوحيد المرئي من القمر. رواد الفضاء الذين ذهبوا — وأول رائد فضاء صيني نفسه — يقولون غير ذلك، والبصريات تؤيدهم. أما ما يُرى فعلًا من الفضاء، من أضواء المدن إلى دلتا النيل المتوهجة، فقصة أجمل. الحكم: خاطئ.

١٨ أغسطس ٢٠٢٦ · ٥ دقائق قراءة

الميونات والمسح الضوئي والأقمار الصناعية: علوم جديدة تقرأ أسرار مصر القديمة | صوت المواطن