تخطَّ إلى المحتوى

قانون حماية البيانات الشخصية: ماذا يضمن لك القانون رقم 151 لسنة 2020؟

منذ عام 2020 تمتلك مصر أول قانون متكامل لحماية البيانات الشخصية. نشرح ما الذي يكفله القانون رقم 151 لكل مواطن، وما الالتزامات التي يفرضها على الشركات، وما الذي لا يزال يفصل بين نص التشريع وتطبيقه الكامل على أرض الواقع.

نُشر في ١٨ أغسطس ٢٠٢٦·٧ دقائق قراءة
صفوف من خوادم الحاسوب المضيئة داخل مركز بيانات، في تجسيد للتخزين الرقمي للمعلومات الشخصية.

في كل مرة يطلب فيها المواطن وجبة عبر تطبيق، أو يفتح حسابًا مصرفيًا، أو يشتري شريحة هاتف محمول، تنتقل معلومات شخصية من يده إلى جهات لا يراها: الاسم، ورقم الهاتف، والعنوان، وأحيانًا أكثر من ذلك بكثير. ظل هذا التدفق من البيانات لعقود بلا تنظيم قانوني شامل، إلى أن صدر في صيف عام 2020 القانون رقم 151 لسنة 2020 بشأن حماية البيانات الشخصية، وهو أول تشريع مصري متكامل يحدد كيف يجوز للشركات والمؤسسات جمع بيانات الأفراد وتخزينها ومعالجتها واستخدامها.

للقانون جذور دستورية واضحة؛ فالمادة 57 من دستور 2014 تنص على أن للحياة الخاصة حرمة لا تُمس، وأن للمراسلات والاتصالات بأنواعها حماية لا يجوز انتهاكها إلا بأمر قضائي مسبب. جاء القانون ليترجم هذا المبدأ الدستوري إلى التزامات عملية على كل من يتعامل مع بيانات المواطنين، كما جاء في سياق موجة تشريعية عالمية أعقبت صدور اللائحة الأوروبية العامة لحماية البيانات المعروفة اختصارًا بـ«GDPR»، والتي ألهمت قوانين مشابهة في عشرات الدول.

فما الذي يُعد «بيانات شخصية» في نظر القانون؟ التعريف واسع عن قصد: أي بيانات تتعلق بشخص طبيعي محدد الهوية أو يمكن تحديد هويته بشكل مباشر أو غير مباشر، من الاسم والرقم القومي إلى بيانات الموقع الجغرافي والمعرّفات الإلكترونية. ويفرد القانون فئة أشد حماية تُسمى «البيانات الشخصية الحساسة»، تشمل بيانات الصحة النفسية والبدنية، والبيانات البيومترية، والبيانات المالية، والمعتقدات الدينية، والآراء السياسية، والسجل الجنائي، إضافة إلى بيانات الأطفال التي تتطلب موافقة ولي الأمر.

المبدأ الجوهري الذي يقوم عليه القانون هو الموافقة؛ فالأصل أنه لا يجوز جمع البيانات الشخصية أو معالجتها أو الإفصاح عنها إلا بموافقة صريحة من صاحبها، أو في الحالات التي يجيزها القانون. ويشترط أن تُجمع البيانات لأغراض مشروعة ومحددة ومعلنة لصاحبها، وأن تكون صحيحة ومحدثة، وألا يُحتفظ بها لمدة أطول مما يقتضيه الغرض من جمعها.

يمنح القانون صاحب البيانات حزمة من الحقوق القابلة للاستخدام عمليًا: الحق في العلم بما تحتفظ به الجهات من بيانات عنه، والحق في الاطلاع عليها والوصول إليها، والحق في تصحيح ما هو خاطئ منها أو تعديله، والحق في محوها عند زوال الغرض، والحق في الاعتراض على معالجتها، والحق في الرجوع عن الموافقة السابقة. كما يقرر حقه في أن يُخطر بأي اختراق أو تسريب يمس بياناته.

ولضمان أن تظل هذه الحقوق أكثر من حبر على ورق، أنشأ القانون جهة رقابية متخصصة هي «مركز حماية البيانات الشخصية» التابع لوزارة الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات. يتولى المركز إصدار التراخيص والتصاريح لجهات معالجة البيانات، وتلقي شكاوى المواطنين، والتفتيش على الجهات الخاضعة للقانون، ووضع القواعد الاسترشادية، وتوقيع الجزاءات الإدارية على المخالفين.

وفي المقابل، يفرض القانون على الشركات والمؤسسات التزامات محددة: تعيين مسؤول لحماية البيانات في الجهات الملزمة بذلك، والاحتفاظ بسجلات للمعالجة، واتخاذ تدابير تقنية وتنظيمية لتأمين البيانات، وإخطار المركز خلال اثنتين وسبعين ساعة بأي اختراق يمس البيانات. كما ينظم القانون التسويق الإلكتروني المباشر، فيشترط الحصول على موافقة مسبقة من المستهدف، والإفصاح عن هوية المرسل، وتمكين المتلقي من وقف الرسائل متى شاء.

أما نقل البيانات الشخصية إلى خارج البلاد فلا يجوز إلا بترخيص أو تصريح من المركز، وبشرط ألا يقل مستوى الحماية القانونية في الدولة المستقبلة عن المستوى المقرر في القانون المصري. وهو شرط له وزنه في زمن الحوسبة السحابية، حيث قد تُخزن بيانات المصريين على خوادم تبعد آلاف الكيلومترات عن القاهرة.

ولم يأت القانون بلا أنياب؛ فالمخالفات تعرض مرتكبيها لغرامات تبدأ من مئات الآلاف من الجنيهات وقد تصل في بعض الجرائم إلى ملايين الجنيهات، فضلًا عن عقوبات سالبة للحرية في حالات بعينها، كالإفصاح غير المشروع عن البيانات الحساسة. غير أن التطبيق الكامل للقانون ارتبط بصدور لائحته التنفيذية التي تأخر إصدارها سنوات بعد نفاذ القانون، وهو تأخر وثّقه المتخصصون باعتباره الفجوة الأبرز بين النص والواقع.

يبقى أن القانون لا يستثني الجميع من كل شيء؛ فهناك استثناءات محددة، منها البيانات التي يعالجها الأفراد للاستخدام الشخصي البحت، وبيانات تخضع لأطر تنظيمية خاصة مثل ما يقع في نطاق اختصاص البنك المركزي، إضافة إلى اعتبارات الأمن القومي المنظمة بقوانين أخرى. فهم حدود القانون جزء من فهم حقوقك فيه.

وماذا يفعل المواطن العادي بكل ذلك؟ عمليًا: اقرأ سياسات الخصوصية قبل الموافقة عليها ولو سريعًا، ولا تمنح التطبيقات صلاحيات لا يحتاجها عملها، واسأل الجهات التي تتعامل معها عن مصير بياناتك، واحتفظ بما يثبت تعاملاتك. فالقانون منح المواطن أدوات لم تكن موجودة من قبل، لكن قيمتها الحقيقية تتوقف على وعي أصحابها بها، وعلى اكتمال بنية إنفاذها في السنوات المقبلة.

مواد ذات صلة

منصة التشريع

قانون الإيجار بين القديم والجديد: حكاية سوقين تحت سقف واحد

ملايين الوحدات في مصر خاضعة لعقود إيجار قديمة بجنيهات رمزية، بينما يدفع جيرانها آلافًا بأسعار السوق. كيف نشأت الفجوة بين الإيجار القديم والجديد؟ وماذا قالت المحكمة الدستورية؟ وما الذي تغيّره الفترة الانتقالية الجديدة؟ شرح متوازن لموقف الطرفين.

١٨ أغسطس ٢٠٢٦ · ٦ دقائق قراءة

متسوقون يتفحصون البضائع في شارع سوق مزدحم بالقاهرة وتظهر واجهات المحال والسلع المعروضة
منصة التشريع

حقوقك مستهلكًا: الاسترجاع والضمان والإعلان الصادق في قانون حماية المستهلك

قانون حماية المستهلك رقم 181 لسنة 2018 يمنح المصريين حقوقًا واسعة: استرجاع السلع خلال أربعة عشر يومًا، وضمانًا حقيقيًا بالإصلاح والاستبدال، وحماية من الإعلانات المضللة. دليل مبسط لحقوق كثيرون لا يعرفون أنها ملكهم.

١٨ أغسطس ٢٠٢٦ · ٥ دقائق قراءة

سور الصين العظيم يتلوى فوق سلاسل جبلية خضراء ممتدًا نحو الأفق
الحقيقةزائف

هل يُرى سور الصين العظيم من القمر؟ رواد الفضاء حسموا الإجابة

معلومة محببة في الكتب المدرسية: سور الصين العظيم هو البناء البشري الوحيد المرئي من القمر. رواد الفضاء الذين ذهبوا — وأول رائد فضاء صيني نفسه — يقولون غير ذلك، والبصريات تؤيدهم. أما ما يُرى فعلًا من الفضاء، من أضواء المدن إلى دلتا النيل المتوهجة، فقصة أجمل. الحكم: خاطئ.

١٨ أغسطس ٢٠٢٦ · ٥ دقائق قراءة

قانون حماية البيانات الشخصية: ماذا يضمن لك القانون رقم 151 لسنة 2020؟ | صوت المواطن