تخطَّ إلى المحتوى

من شورى النواب 1866 إلى شيوخ اليوم: قصة الغرفة الثانية في مصر

قبل أكثر من قرن ونصف أنشأ الخديو إسماعيل أول مجلس نيابي في مصر الحديثة. ومن شيوخ دستور 1923 إلى شورى السادات ثم مجلس الشيوخ الحالي، نتتبع رحلة الغرفة الثانية في التجربة الدستورية المصرية: نشأة وإلغاء وعودة عبر ثلاث حقب مختلفة.

هيئة التحرير·نُشر في ١٨ أغسطس ٢٠٢٦·٨ دقائق قراءة
قاعة البرلمان المصري في جلسة عام 1937: الأعضاء بالطرابيش في مقاعدهم الخشبية، والملك على المنصة تحت سرادق مزخرف
Riad Shehata / Wikimedia Commons (Public domain)

حين يتحدث المصريون عن تجربتهم النيابية فهم يتحدثون عن واحدة من أقدم التجارب خارج أوروبا والأمريكتين؛ فقبل أكثر من قرن ونصف القرن، وفي عام 1866 تحديدا، أنشأ الخديو إسماعيل «مجلس شورى النواب»، أول هيئة تمثيلية في تاريخ مصر الحديث، لتبدأ قصة طويلة ومتقلبة كان للغرفة الثانية فيها فصول لافتة.

ضم مجلس 1866 خمسة وسبعين عضوا يجري اختيارهم عبر الأعيان والعمد، وكان اختصاصه استشاريا محدودا، لكنه زرع بذرة فكرة أن للبلاد رأيا يُسمع في شؤونها. ومع الأزمة المالية وتصاعد التدخل الأجنبي تحول المجلس منبرا لمطالب وطنية جسورة، وبلغ المد ذروته مع الحركة العرابية ومطلب الحكومة المسؤولة أمام النواب.

وبعد الاحتلال البريطاني عام 1882 ضُيّق على الحياة النيابية طويلا، واكتفت البلاد بهيئات محدودة الصلاحيات كان آخرها الجمعية التشريعية التي تشكلت قبيل الحرب العالمية الأولى ثم عُطلت بقيامها، فيما ظل مطلب الدستور والبرلمان الكامل حيا في الحركة الوطنية حتى تفجرت ثورة 1919.

وجاء دستور 1923، ثمرة تلك الثورة، ليقيم أول برلمان مصري كامل من غرفتين: مجلس النواب المنتخب بالكامل، ومجلس الشيوخ الذي جمع بين أعضاء منتخبين وآخرين يعينهم الملك، واشترط في عضوه سنا أعلى ومكانة عامة أو قيدا ماليا، على النمط الذي كان شائعا وقتها في الغرف العليا حول العالم.

وعلى مدى العهد الليبرالي بين 1923 و1952 كان مجلس الشيوخ ساحة لبعض أبرز رجال الفكر والسياسة، ومسرحا لتجاذبات المثلث الشهير: الوفد صاحب الأغلبية الشعبية، والقصر الملكي، وسلطة الاحتلال البريطاني. وكثيرا ما حُلت البرلمانات وعُطلت الدساتير، لكن الحياة النيابية ظلت رغم ذلك تقليدا راسخا في الدولة المصرية.

وأنهت ثورة يوليو 1952 نظام ما قبلها بالكامل؛ فأُلغي دستور 1923 وحُلت الأحزاب القائمة، وحين عادت الحياة النيابية بدستور 1956 عادت بغرفة واحدة هي مجلس الأمة، وظل نظام الغرفة الواحدة قائما طوال الحقبة الناصرية وما تلاها مباشرة.

ثم أعادت التعديلات الدستورية لعام 1980 في عهد الرئيس أنور السادات فكرة الغرفة الثانية عبر «مجلس الشورى»، بثلثين من الأعضاء منتخبين وثلث معين، واختصاصات استشارية في الموضوعات الكبرى، إلى جانب دور في الإشراف على المؤسسات الصحفية القومية عبر المجلس الأعلى للصحافة.

وعاش مجلس الشورى نحو ثلاثة عقود موضع نقاش دائم حول جدواه، حتى جاءت لحظته الاستثنائية بعد ثورة يناير 2011؛ فبموجب دستور 2012 وبعد حل مجلس الشعب آلت إليه سلطة التشريع كاملة لفترة انتقالية، فصار للمرة الأولى في تاريخه مشرّعا فعليا، قبل أن يُحل في 2013 ثم يلغيه دستور 2014 كليا لتعود مصر إلى نظام الغرفة الواحدة.

ولم يطل الغياب هذه المرة؛ فالتعديلات الدستورية التي أقرها استفتاء 2019 أعادت الغرفة الثانية باسمها الملكي القديم «مجلس الشيوخ»، وجرت أول انتخاباته عام 2020، بتكوين من ثلاثمئة عضو ثلثهم بالتعيين، واختصاصات استشارية تشمل تعديلات الدستور والخطة العامة للتنمية والمعاهدات ومشروعات القوانين المحالة إليه.

وتكشف المقارنة بين التجارب الثلاث — شيوخ 1923 وشورى 1980 وشيوخ 2020 — خيطا ناظما واضحا: غرفة يُراد بها التروي والخبرة، تجمع دوما بين الانتخاب والتعيين، وتبقى الكلمة الفصل في التشريع للغرفة الأدنى المنتخبة بالكامل، وإن اختلفت السياقات السياسية لكل حقبة اختلافا بيّنا.

ويستمر حول نظام الغرفتين نقاش عالمي لا يخص مصر وحدها؛ فمؤيدوه يرونه صمام مراجعة وتدقيق وتمثيلا لخبرات ومصالح لا تفرزها صناديق الانتخاب العامة بالضرورة، ومنتقدوه يرونه إبطاء للتشريع وكلفة إضافية. وفي التجربة المصرية يظل التقييم مرهونا بما تقدمه الغرفة فعلا من دراسات وآراء تترك أثرا في النصوص النهائية.

وهكذا، فحين يجلس أعضاء مجلس الشيوخ اليوم في قاعتهم، فإنهم يواصلون — بالاسم وبالفكرة معا — قصة بدأت قبل أكثر من مئة وخمسين عاما مع مجلس شورى النواب، ومرت بدستور 1923 وشورى السادات، لتبقى الغرفة الثانية شاهدا على تعرجات المسيرة الدستورية المصرية منذ القرن التاسع عشر.

مشاركة

مواد ذات صلة

مبنى البرلمان المصري الجديد بقبته المركزية وأعمدته في العاصمة الإدارية، وأمامه طريق ومساحة رملية
مجلس الشيوخ

عين البرلمان على الحكومة: من طلب الإحاطة إلى سحب الثقة.. أدوات الرقابة كما رسمها الدستور

من سؤالٍ يُوجَّه لوزير إلى استجوابٍ قد يُسقط حكومة: جولة عملية داخل صندوق أدوات الرقابة البرلمانية كما رسمها دستور 2014 وتعديلات 2019، والفرق بين ما يملكه النواب وما يملكه الشيوخ، وكيف تتابع بنفسك ما يجري تحت القبة.

٦ سبتمبر ٢٠٢٦ · ٧ دقائق قراءة

طابور من الناخبات المصريات ينتظرن الإدلاء بأصواتهن في أحد شوارع القاهرة، صورة من انتخابات 2011
مجلس الشيوخ

مجلس الشيوخ 2026: لا انتخابات هذا العام.. دليلك إلى النظام والتصويت والاستحقاق المقبل

لا اقتراع لمجلس الشيوخ في 2026: المجلس الحالي انتُخب في أغسطس 2025 لولاية خمس سنوات، والاستحقاق المقبل في 2030. دليل محايد لنظام المقاعد، وشروط التصويت، وطرق معرفة اللجنة، وتوقيت إعلان النتائج.

٢٠ أغسطس ٢٠٢٦ · ٧ دقائق قراءة

«كده غلط».. السم في الطبق والعصا على الظهر: إيذاء الحيوان جريمة في قانون العقوبات المصري منذ 1937
كده غلط

«كده غلط».. السم في الطبق والعصا على الظهر: إيذاء الحيوان جريمة في قانون العقوبات المصري النافذ منذ 1937

جار يضع أطباقاً مسمومة بجوار سور المدرسة، وصاحب عربة يضرب حماره على وجهه لينهض بحمل يفوق طاقته. كثيرون يظنون أن «مجرد حيوان» يعني أن لا قانون يحميه. الحقيقة أن المواد 355 و356 و357 من قانون العقوبات تعاقب على قتل الحيوان وتسميمه وإيذائه بعقوبات تصل إلى السجن. عشية اليوم العالمي للحيوان، نشرح ما يقوله القانون وما هو السلوك الصحيح.

٣ أكتوبر ٢٠٢٦ · ٦ دقائق قراءة