تخطَّ إلى المحتوى

النيل يختنق بالبلاستيك: معركة يومية لإنقاذ شريان مصر

من قوارب الصيادين التي باتت تنتشل الزجاجات قبل الأسماك، إلى مبادرات تنظيف تحولت إلى اقتصاد صغير على ضفاف النهر: قصة البلاستيك الذي يزحف على شريان حياة مصر، ولماذا تخص هذه المعركة كل بيت مصري.

هيئة التحرير·نُشر في ١٨ أغسطس ٢٠٢٦·٨ دقائق قراءة
مجرى مائي في شبين الكوم تغطي سطحه الزجاجات والأكياس البلاستيكية عند كوبري ومقهى على الضفة
Faris knight / Wikimedia Commons (CC BY-SA 4.0)

على ضفاف النيل عند القاهرة، اعتاد الصيادون منذ سنوات مشهدًا لم يعرفه آباؤهم: الشبكة تخرج من الماء وفيها من الأكياس والزجاجات البلاستيكية أحيانًا أكثر مما فيها من السمك. النهر الذي تعتمد عليه مصر في نحو سبعة وتسعين في المائة من مواردها المائية العذبة، والذي قامت على ضفتيه حضارة سبعة آلاف عام، يواجه اليوم خصمًا صنعناه بأيدينا: البلاستيك أحادي الاستخدام.

حجم المشكلة لم يعد محل جدال علمي. فالدراسات الدولية التي تتبعت الأنهار الناقلة للمخلفات البلاستيكية إلى البحار وضعت النيل بين الأنهار الكبرى الأكثر حملًا للبلاستيك في العالم، كما صنفت تقارير إقليمية متعاقبة مصر بين أكبر مصادر تسرب البلاستيك إلى البحر المتوسط، وهو أصلًا من أكثر بحار العالم تلوثًا باللدائن نسبة إلى حجمه. الكيس الذي يُلقى في ترعة بأعماق الدلتا لا يختفي؛ إنه يبدأ رحلة طويلة نحو النهر ثم البحر.

والأخطر مما تراه العين ما لا تراه. فالبلاستيك لا يفنى في الماء وإنما يتفتت إلى جسيمات دقيقة تعرف باللدائن الدقيقة، وقد وثقت دراسات علمية منشورة وجود هذه الجسيمات في أسماك النيل، وفي مقدمتها البلطي، السمكة الأولى على موائد المصريين. وهكذا يعود ما ألقيناه في النهر إلينا عبر أطباقنا، في دورة صامتة لا يفلت منها أحد.

ولماذا وصلنا إلى هنا؟ الأسباب متضافرة: أكياس تُمنح مجانًا بلا حساب في كل محل ومقهى، وثقافة الاستخدام الواحد التي جعلت الزجاجة والكوب والشوكة تُستعمل دقائق وتُطرح دهرًا، وفجوات في منظومة جمع المخلفات تدفع بعض المناطق إلى اعتبار الترع والمصارف مقالب مفتوحة. المشكلة ليست في مادة البلاستيك ذاتها، بل في نمط استهلاك يعامل ما يبقى في البيئة قرونًا وكأنه بلا قيمة وبلا عاقبة.

لكن على ضفاف النهر نفسه ولدت واحدة من أكثر قصص المواجهة إلهامًا. ففي عام 2018 أطلقت مؤسستان مصريتان ناشئتان في العمل الأهلي والبيئي مبادرة «فيري نايل»، التي قُدمت باعتبارها أول مبادرة مكرسة لتنظيف نهر النيل من المخلفات. بدأت بحملات تطوعية بقوارب الكاياك تلتقط ما يطفو على سطح الماء، ثم تطورت إلى نموذج أعمق أثرًا وأبقى.

جوهر هذا النموذج هو الصيادون أنفسهم، وفي القلب منهم أهالي جزيرة القرصاية وسط النيل بالقاهرة. فبدلًا من أن يظل البلاستيك عدوًا يمزق شباكهم ويطرد رزقهم، صار موردًا: يجمع الصيادون المخلفات من النهر ويتقاضون مقابلًا عن كل كيلوجرام، ثم تُفرز الخامات وتُعاد معالجتها وتدويرها، ويتحول بعضها إلى منتجات تُباع فيعود ريعها إلى المنظومة. هكذا تحول التنظيف من عمل خيري موسمي إلى اقتصاد صغير مستدام على ضفة النهر.

وليست هذه القصة معزولة عن سياق مصري أعرق في إعادة التدوير. فجامعو المخلفات التقليديون في القاهرة، المعروفون بالزبالين، بنوا على مدى عقود واحدة من أكفأ منظومات الاسترجاع غير الرسمية في العالم، إذ توثق الدراسات أنهم يعيدون تدوير نسبة عالية بشكل استثنائي مما يجمعونه. أي حل جاد لأزمة البلاستيك في مصر يمر عبر الاعتراف بهذه الخبرة المتراكمة ودمجها، لا القفز فوقها.

وعلى مستوى السياسات، تحركت الدولة بخطوات موثقة: محافظة البحر الأحمر حظرت منذ عام 2019 البلاستيك أحادي الاستخدام حمايةً لبيئتها البحرية وشعابها التي يقوم عليها اقتصاد الغوص والسياحة، ووزارة البيئة أطلقت حملات وطنية للحد من استهلاك الأكياس البلاستيكية وتشجيع البدائل. والتجارب الدولية الموثقة، من الرسوم على الأكياس إلى الحظر الكامل في بعض الدول، تثبت أن السياسات الحازمة تخفض الاستهلاك بشكل حاد حين تقترن ببدائل متاحة.

غير أن السياسات وحدها لا تنظف نهرًا يستخدمه ملايين البشر كل يوم؛ فللمواطن هنا دور مباشر لا ينوب عنه فيه أحد. القاعدة الذهبية ثلاثية بسيطة: قلل، فأعد الاستخدام، فدور. اصطحب كيس قماش إلى السوق بدل عشرة أكياس تُلقى بعد ساعة، واستعمل زجاجة تُملأ بدل زجاجات تُرمى، وارفض الشفاطة والكيس حين لا تحتاجهما، ولا تجعل الترعة أو المصرف مقلبًا مهما فعل غيرك، وانضم إن استطعت إلى حملات التنظيف المنتشرة على الضفاف.

وللشركات نصيب من التكليف لا يسقط بالتقادم: فمن يضع المنتج في عبوة يتحمل جزءًا من مسؤولية مصيرها، وهو المبدأ المعروف عالميًا بالمسؤولية الممتدة للمنتِج. تقليل التغليف، وطرح عبوات قابلة لإعادة الملء، ودعم منظومات الاسترجاع، كلها خطوات صارت في دول كثيرة التزامات لا تبرعات، والاتجاه العالمي يسير بثبات نحو ترسيخها.

سيقول قائل إن نهرًا بهذا الطول لا تنقذه أكياس القماش وقوارب الكاياك، وهو اعتراض وجيه لو كانت المعركة تُخاض بأداة واحدة. لكن الذي تثبته التجربة المصرية والدولية أن الحلول تتراكم: سياسة تحد من الأكياس هنا، ومبادرة تخلق اقتصادًا للجمع هناك، ووعي يغير سلوك ملايين البيوت، وصناعة تعيد تصميم عبواتها. كل طبقة من هذه الطبقات تخفف الحمل عن النهر، ومجموعها هو ما يصنع الفارق.

لقد أعطى النيل مصر كل شيء: ماءها وطعامها وطميها وحضارتها ذاتها. ولأول مرة في تاريخه الطويل يحتاج النهر إلى أن يرد أبناؤه له الجميل، لا بالشعارات ولا بالأغنيات، بل بأبسط من ذلك وأصعب: كيس لا يُلقى، وزجاجة تُعاد، وعادة تتغير. فالمعركة ضد البلاستيك ليست قضية نشطاء البيئة وحدهم؛ إنها قضية كل من يشرب من هذا النهر، أي قضية كل مصري.

مشاركة

مواد ذات صلة

ضباب كثيف يغطي أفق القاهرة، ويظهر برج القاهرة والنيل وكوبري يعبره من فوق
قضايا الوطن الكبرى

هواء القاهرة قضية وطن: من «السحابة السوداء» إلى الأتوبيس الكهربائي.. معركة كل نفَس

كل خريف تعود «السحابة السوداء» لتخنق القاهرة الكبرى، لكن ما يقتل فعلاً هو ما لا نراه: جسيمات أدق من شعرة تتسلل إلى الرئة والدم. عشية اليوم العالمي بلا سيارات، نفتح ملف واحدة من أخطر المشكلات البيئية الصحية في القاهرة الكبرى: ما هي الأرقام، ما الذي يُفعل، وماذا يمكن أن تفعل أنت في يومك.

٢١ سبتمبر ٢٠٢٦ · ٧ دقائق قراءة

موج يزحف على شاطئ رملي منبسط تحت سحب داكنة، ويظهر مبنى صغير عند خط الأفق في صورة شبه رمادية
قضايا الوطن الكبرى

البحر يزحف على الدلتا: كيف تدافع مصر عن أخصب أرضها بحواجز من رمل وقصب؟

على الطريق الساحلي في البرلس تقف كثبان رملية مثبتة بأسوار من القصب، وخلفها فلاح يتذوق ماء بئره ويجده مالحاً. قضية صامتة تهدد ربع سكان مصر: بحر يرتفع وأرض تهبط. هذا المقال يشرح الخطر بأرقامه الموثقة، ويعرض مشروعاً بقيمة 105 ملايين دولار أقام 69 كيلومتراً من الحواجز اللينة، ويسأل: ما دور المواطن نفسه في حماية الشاطئ؟

١٣ سبتمبر ٢٠٢٦ · ٨ دقائق قراءة

«كده غلط».. السم في الطبق والعصا على الظهر: إيذاء الحيوان جريمة في قانون العقوبات المصري منذ 1937
كده غلط

«كده غلط».. السم في الطبق والعصا على الظهر: إيذاء الحيوان جريمة في قانون العقوبات المصري النافذ منذ 1937

جار يضع أطباقاً مسمومة بجوار سور المدرسة، وصاحب عربة يضرب حماره على وجهه لينهض بحمل يفوق طاقته. كثيرون يظنون أن «مجرد حيوان» يعني أن لا قانون يحميه. الحقيقة أن المواد 355 و356 و357 من قانون العقوبات تعاقب على قتل الحيوان وتسميمه وإيذائه بعقوبات تصل إلى السجن. عشية اليوم العالمي للحيوان، نشرح ما يقوله القانون وما هو السلوك الصحيح.

٣ أكتوبر ٢٠٢٦ · ٦ دقائق قراءة