أم كلثوم: الصوت الذي ما زال يجمع العرب بعد نصف قرن
من قرية صغيرة في الدلتا إلى لقب «كوكب الشرق»، صنعت أم كلثوم ظاهرة لم تتكرر: أمة كاملة كانت تتوقف لتستمع. هذه قصة الصوت الذي صار مؤسسة وطنية، وما زالت أصداؤه تملأ المقاهي والإذاعات حتى اليوم.

في فبراير من عام 1975، شهدت القاهرة واحدة من أضخم الجنازات في تاريخها الحديث. ملايين البشر خرجوا إلى الشوارع يودعون امرأة لم تحكم ولم تتول منصباً، بل غنّت. انتزع المشيعون نعش أم كلثوم من مساره الرسمي وحملوه على الأكتاف ساعات طويلة في شوارع المدينة، وكأن مصر كلها أرادت أن تحمل صوتها بيديها إلى مثواه الأخير.
بدأت الحكاية في قرية طماي الزهايرة بمحافظة الدقهلية، حيث وُلدت أم كلثوم لأسرة متواضعة في السنوات الأولى من القرن العشرين تقريباً، إذ ظل تاريخ ميلادها الدقيق موضع خلاف. كان أبوها إمام القرية ومنشدها، ولما لمس في ابنته الصغيرة قوة صوت غير عادية، ألحقها بفرقة الإنشاد الديني، وكانت تغني في طفولتها الأولى بزي الصبيان مراعاة لتقاليد الريف آنذاك.
في مطلع عشرينيات القرن الماضي انتقلت الأسرة إلى القاهرة، حيث كانت الحياة الفنية تغلي. وهناك صقلت الفتاة الريفية موهبتها على أيدي كبار الملحنين والشعراء، وتعلمت أصول المقامات وفنون اللغة الفصحى، فتحولت خلال سنوات قليلة من منشدة قرى إلى مطربة تنافس أعمدة الغناء في العاصمة، ثم تتجاوزهم واحداً بعد الآخر.
ومع انتشار الإذاعة، وُلدت الظاهرة الكلثومية الحقيقية: حفل الخميس الأول من كل شهر. على مدى عقود، كان بث حفلها الشهري يفرغ شوارع القاهرة وبيروت وبغداد والدار البيضاء من المارة، وتلتف العائلات حول أجهزة الراديو من المحيط إلى الخليج. لم يكن ما يقدَّم أغنية بالمعنى المألوف، بل رحلة قد تمتد الوصلة الواحدة فيها ساعة كاملة، تعيد فيها الست غناء البيت الواحد بعشرات الصيغ استجابة لصيحات الجمهور، في حوار حي هو جوهر فن الطرب.
وقف خلف هذا المجد جيش من العباقرة. لحّن لها محمد القصبجي وزكريا أحمد في مراحلها الأولى، ثم كان رياض السنباطي شريك عمرها الفني الذي صاغ لها روائع الفصحى وعلى رأسها «الأطلال» من شعر إبراهيم ناجي. وفي عام 1964 تحقق ما سماه النقاد «لقاء السحاب»، حين لحّن لها غريمها التاريخي محمد عبد الوهاب أغنية «إنت عمري»، فدخل العود الكهربائي والإيقاعات الحديثة إلى مملكتها، وجاء بعدها جيل بليغ حمدي بدماء شابة جديدة.
لم يكن صوتها وحده سر الأسطورة، بل عقلها أيضاً. كانت أم كلثوم تدير مسيرتها بدقة رجال الدولة: تنتقي القصيدة كلمة كلمة، وتفرض على الملحنين تعديلات لا تنتهي، وتتحكم في كل تفصيلة من حفلاتها وعقودها وتسجيلاتها. وبفضل هذه الصرامة حافظت على عرشها أكثر من نصف قرن لم ينازعها فيه أحد.
وبعد نكسة يونيو 1967، قدمت درساً في معنى الفن الوطني، إذ جابت وهي في أواخر الستينيات من عمرها عواصم العالم العربي وقاعة الأولمبيا في باريس، في سلسلة حفلات خصصت إيراداتها لدعم المجهود الحربي المصري، فتحولت من مطربة إلى ما يشبه مؤسسة وطنية متنقلة، تستقبلها الشعوب استقبال الرؤساء.
أما فنياً، فيتوقف الدارسون طويلاً أمام إمكاناتها الصوتية: مساحة صوت واسعة، وقدرة أسطورية على ضبط النفس والتحكم في أدق تفاصيل العبارة الموسيقية، وذاكرة مقامية جعلتها ترتجل داخل اللحن دون أن تفلت منه. وقد صارت تسجيلاتها مادة بحث في معاهد الموسيقى شرقاً وغرباً، ومرجعاً لكل دارس لفن الغناء العربي.
واليوم، بعد مرور نحو نصف قرن على رحيلها، ما زالت أم كلثوم حاضرة كأنها لم تغب. متحفها في قصر المانسترلي بجزيرة الروضة على النيل يستقبل الزوار ويعرض مقتنياتها الشهيرة من فساتين ونظارتها الداكنة ووشاحها، والإذاعات العربية تخصص لصوتها ساعات ثابتة، ومقاهي القاهرة التي تعلّق صورها لا تزال تدير أسطواناتها لزبائن لم يولدوا إلا بعد رحيلها بعقود.
لقّبوها بـ«كوكب الشرق»، وسماها المصريون «الهرم الرابع»، وكلا اللقبين دقيق: فهي جرم لا يزال ضوؤه يصل بعد أن قطع مسافة الزمن، وبناء شاهق يعرف كل عربي ملامحه حتى لو لم يقترب منه. وفي زمن تتشظى فيه الأذواق بين المنصات، يبقى صوتها واحدة من آخر المساحات المشتركة التي يلتقي عندها العرب جميعاً بلا خلاف.
مواد ذات صلة

في اليوم العالمي للترجمة: من «مدرسة الألسن» 1835 إلى المركز القومي.. كيف ترجمت مصر العالم إلى العربية؟
في 30 سبتمبر يحتفل العالم بالترجمة، ووراء الكتاب المترجم الذي تحمله من معرض الكتاب قصة مصرية عمرها قرنان: شيخ أزهري عاد من باريس فأسس أول مدرسة حديثة للمترجمين في مصر عام 1835، ولجان ومشروعات تعثر بعضها واكتمل بعضها، حتى قام المركز القومي للترجمة عام 2006. هذه هي الحكاية كاملة، وما تعنيه لك.
٣٠ سبتمبر ٢٠٢٦ · ٧ دقائق قراءة

27 سبتمبر 1822: اليوم الذي عاد فيه صوت المصريين القدماء.. حكاية حجر رشيد ومفتاحه
في قاعة بباريس قرأ شاب في الحادية والثلاثين رسالة أعادت للجدران المصرية القدرة على الكلام بعد صمت طويل. من رشيد 1799 إلى لندن 1802 إلى قاعة الأكاديمية 1822، ثم إلى أحمد كمال باشا وقاموسه الذي لم يُطبع في حياته، وصولًا إلى سؤال اليوم: هل يعود الحجر؟ حكاية مفتاح ضاع وعاد.
٢٦ سبتمبر ٢٠٢٦ · ٨ دقائق قراءة

حسن فتحي: «مهندس الفقراء» الذي بنى من طين مصر عمارة أدهشت العالم
في زمن يلتهم فيه التكييف دخل البيوت، تعيد سيرة حسن فتحي طرح سؤال قديم: لماذا هجرنا عمارة تُبرِّد بيوتنا بلا كهرباء؟ حكاية «مهندس الفقراء» الذي بنى من طين مصر قرية كاملة، وكتب كتابًا ترجمه العالم، وسبق موجة البناء الأخضر بعقود.
٤ سبتمبر ٢٠٢٦ · ٨ دقائق قراءة