تخطَّ إلى المحتوى

12 أكتوبر 1999: اليوم الذي رأى فيه ابن دمنهور الذرّات وهي تتحرّك.. أحمد زويل وكيمياء الفمتوثانية

قبل سبعة وعشرين عامًا، وفي مثل هذا اليوم، أعلنت الأكاديمية الملكية السويدية فوز أحمد زويل بنوبل الكيمياء عن «دراساته للحالات الانتقالية للتفاعلات الكيميائية باستخدام مطيافية الفمتوثانية». نحكي هنا بلغة الحياة اليومية: ما الفمتوثانية، وكيف صُوِّرت اللحظة التي تنكسر فيها الرابطة، وماذا يقول القانون 161 لسنة 2012 وتعديله سنة 2019 عن المدينة التي تحمل اسمه.

هيئة التحرير·نُشر في ١٢ أكتوبر ٢٠٢٦·٨ دقائق قراءة
صورة شخصية للعالم المصري أحمد زويل، الحائز على جائزة نوبل في الكيمياء عام 1999، يرتدي بدلة داكنة وربطة عنق حمراء
Simon Fraser University - University Communications / Wikimedia Commons (CC BY 2.0)

في عيد ميلاد صغير في بيت مصري، تُطفأ الأنوار وتُشعَل الشموع، ويرفع أحدنا هاتفه ليلتقط لحظة النفخة الأولى. تضغط الزر، ثم تنظر إلى الصورة فتجدها «مهزوزة»: خدّ الطفل بقعة ضوء، والشمعة خيط دخان ممطوط. تقول في نفسك إن الكاميرا بطيئة، وإن اللحظة أسرع من الغالق. هذه الجملة العابرة، التي لن تشغلك أكثر من ثانيتين، هي بعينها السؤال الذي حيّر الكيميائيين قرنًا كاملًا: كيف تصوّر شيئًا يتحرّك أسرع من عدستك؟

وكل ما حولك، لو دقّقت، تفاعلات كيميائية: عود الثقاب حين يشتعل، والعجين حين يختمر تحت فوطة في المطبخ، وورقة الشجر وهي تصنع غذاءها من ضوء الشمس، والدواء وهو يفكّ عقدة الألم في جسدك. كان العلم يعرف بداية الحكاية ونهايتها: موادّ تدخل، وموادّ تخرج، وحرارة تُقاس. أما ما يجري في المنتصف — اللحظة التي تتراخى فيها الرابطة بين ذرّتين قبل أن تنقطع — فكان بابًا موصدًا: رأينا الباب مغلقًا ثم رأيناه مفتوحًا، ولم نرَ اليد وهي تديره.

أطلق الكيميائيون على تلك الهيئة العابرة، التي ليست هي المادة الأولى ولا الناتج النهائي، اسم «الحالة الانتقالية». وظلّت عقودًا مفهومًا نظريًا تُحسب آثاره ولا يُرى، مثل أثر قدم في الرمل تستدلّ به على عابر لم تلمحه. ثم جاء الثاني عشر من أكتوبر 1999، حين أعلنت الأكاديمية الملكية السويدية للعلوم منح جائزة نوبل في الكيمياء لعالم مصري اسمه أحمد زويل، ونصّ التنويه الرسمي المنشور على صفحة الجائزة على أنها مُنحت له «لدراساته للحالات الانتقالية للتفاعلات الكيميائية باستخدام مطيافية الفمتوثانية». وجاء في إعلان معهد كاليفورنيا للتقنية (كالتك) يومها، نقلًا عن حيثيات الأكاديمية نفسها، أن العمل أثبت أن بالإمكان، بتقنية ليزرية فائقة السرعة، رؤية كيف تتحرّك الذرّات داخل الجزيء أثناء التفاعل، وأن هذه التفاعلات تجري في جزء من مليون مليار من الثانية.

و«جزء من مليون مليار من الثانية» عبارة تمرّ على الأذن بلا معنى، فلنترجمها إلى لغة نعرفها. الفمتوثانية هي واحد على مليون مليار من الثانية؛ ونسبتها إلى الثانية الواحدة تقارب نسبة الثانية إلى نحو اثنين وثلاثين مليون سنة. والضوء نفسه، أسرع ما في الكون، لا يقطع خلال الفمتوثانية سوى نحو ثلث الميكرومتر، أي مسافة أدقّ من سُمك الشعرة بمئات المرّات. وفي هذا الحيّز الزمني بالذات تهتزّ الذرّات داخل الجزيء؛ اهتزازة واحدة تستغرق في المعتاد ما بين عشر فمتوثوانٍ ومئة. أي أن أي «كاميرا» ترصد التفاعل يجب أن تكون أسرع من الاهتزازة نفسها، وإلا خرجت الصورة مهزوزة كصورة الشمعة.

والفكرة التي بُنيت عليها كيمياء الفمتوثانية أنيقة إلى حدّ يمكن شرحها لطالب في الثانوية. تُقسَم نبضة الليزر فائقة القِصَر إلى نبضتين: الأولى تصل إلى الجزيء فتعطيه الطاقة التي تبدأ بها الحكاية، فتحدّد لحظة الصفر تحديدًا دقيقًا. والثانية تُرسَل خلفها بعد تأخير محسوب، والتأخير هنا لا يُضبط بدائرة إلكترونية — فلا مؤقّت إلكتروني يقسّم الزمن إلى هذا الحدّ — بل بإطالة الطريق الذي يقطعه الضوء بضعة ميكرومترات، فالمسافة الزائدة هي الزمن. والنبضة الثانية تقرأ حال الجزيء في تلك اللحظة. ثم تُعاد التجربة مرّات عند تأخيرات مختلفة، فتتجمّع القراءات كما تتجمّع اللقطات، ومن اللقطات يُصنع الفيلم.

ومن الأمانة أن نقول ما لم يحدث: لم يجلس أحد أمام عدسة فرأى ذرّة بعينه كما نرى وجهًا في مرآة. ما سُجّل هو بصمة الضوء الذي امتصّه الجزيء أو أطلقه في كل لحظة، وهي بصمة تتغيّر بتغيّر ترتيب الذرّات والمسافات بينها، ومن هذه البصمات المتتابعة يُعاد بناء صورة الحركة. فكلمة «كاميرا» هنا استعارة صادقة في نتيجتها، لا وصفًا حرفيًا لعدسة وفيلم؛ ونحرص على التمييز لأن تبسيط العلم لا يجوز أن ينقلب إلى ادّعاء أكبر ممّا فعله العلماء.

وأهمية ما حدث أن الكيمياء لم تعد علم استنتاجٍ من «قبلُ» و«بعدُ». صار الطريق نفسه — لا طرفاه — قابلًا للقياس، وصارت الحالة الانتقالية التي كانت تُفترض افتراضًا شيئًا يمكن أن تسأله فيجيبك. ومن هنا وُلد حقل كامل اسمه «كيمياء الفمتوثانية»: كيف تنكسر الرابطة، ولماذا يسلك التفاعل مسارًا دون آخر، وأين بالضبط يتدخّل العامل الحفّاز. ومن يفهم اللحظة الحاسمة في الطريق يملك، من حيث المبدأ، أن يوجّهه، وهذا جوهر ما يشغل الباحثين في التحفيز والطاقة والدواء منذ ذلك الحين.

أما صاحب هذا العمل فقد وُلد في السادس والعشرين من فبراير 1946 في دمنهور، ونشأ في دسوق. تخرّج بمرتبة الشرف من كلية العلوم بجامعة الإسكندرية، وأتمّ فيها الماجستير في المطيافية — أي في قراءة الضوء الذي تلفظه المادة — ثم سافر لنيل الدكتوراه من جامعة بنسلفانيا سنة 1974. وبعد عامين زميلًا لشركة «آي بي إم» في جامعة كاليفورنيا ببيركلي، التحق بهيئة التدريس في كالتك سنة 1976، وشغل بها كرسي «لينوس باولنغ» في الفيزياء الكيميائية. وفي نوفمبر 2009 اختير ضمن أول مجموعة من المبعوثين العلميين للولايات المتحدة — ثلاثة علماء أُعلنت أسماؤهم معًا — وكان نطاق عمل المجموعة شمال أفريقيا والشرق الأوسط وجنوب آسيا وجنوبها الشرقي.

ولمن يقرأ هذه السيرة بحثًا عن معجزة، فليس فيها معجزة. فيها مدرسة حكومية في مدينة صغيرة، وكلية علوم في جامعة مصرية، وما يحتاجه أي طالب في أي مكان: أستاذ ينتبه إليه، وسنوات طويلة من الصبر على جهاز لا يعطي نتيجة من أول تجربة. وكان أحمد زويل ثالث مصري ينال نوبل بعد الرئيس أنور السادات في السلام سنة 1978 والأديب نجيب محفوظ في الآداب سنة 1988، وأولهم في العلوم. وعلى حدّ علمنا، وحتى تاريخ كتابة هذه السطور، ما زال المصري الوحيد الحائز على نوبل في أحد العلوم الطبيعية.

ثم جاءت المرحلة التي يعرفها المصريون أكثر من الليزر: مدينة زويل للعلوم والتكنولوجيا. أنشئت بالقانون رقم 161 لسنة 2012، الصادر في ديسمبر من العام نفسه، ونصّ يومها على أنها مؤسسة علمية بحثية مستقلة ذات شخصية اعتبارية عامة لا تهدف إلى الربح، وجعل مقرّها الشيخ زايد بمدينة السادس من أكتوبر في محافظة الجيزة. وتضمّ بحسب نصّ 2012 جامعة للعلوم والتكنولوجيا، ومعاهد بحثية في مجالات كالطاقة والطب والموادّ والبيئة والفضاء وتقنية النانو ونظم المعلومات، ومركزًا لنقل الأبحاث إلى الواقع العملي سُمّي وقتها «هرم التكنولوجيا». وأخضعها لرقابة الجهاز المركزي للمحاسبات، وأعفى فوائضها وإيرادات نشاطها الجاري من الضرائب والرسوم.

ثم صدر القرار بالقانون رقم 166 لسنة 2019 معدِّلًا لقانون إنشائها، بتاريخ الثاني والعشرين من ديسمبر 2019، ليُعمل به اعتبارًا من اليوم التالي لنشره في الجريدة الرسمية. حذف التعديل عبارة «مشروع مصر القومي للنهضة العلمية» من عنوان القانون، وأضاف كلمة «الابتكار» إلى اسم المدينة فصارت «مدينة زويل للعلوم والتكنولوجيا والابتكار»، وجعل مقرّها الرئيس مدينة السادس من أكتوبر بمحافظة الجيزة، وغيّر اسم مركز نقل التكنولوجيا من «هرم التكنولوجيا» إلى «وادي العلوم والتكنولوجيا» — وهو الاسم الذي يظهر اليوم على موقع المدينة نفسه. كما استبدل نصوص المواد من الأولى إلى السابعة، فصار للمدينة مجلس أمناء برئاسة الوزير المختصّ بالتعليم العالي وعضوية عشرة من العلماء البارزين وخمس شخصيات عامة، ومجلس إدارة يصدر بتشكيله قرار من رئيس مجلس الوزراء ويرأسه الرئيس التنفيذي للمدينة، الذي يعيَّن بقرار من رئيس مجلس الوزراء لمدّة أربع سنوات قابلة للتجديد مرّة واحدة.

ونذكر هذا التعديل واقعةً تشريعية لا أكثر؛ فتقييم مسيرة المدينة شأن يحتاج أرقامًا وتقارير منشورة، وحتى تاريخ كتابة هذه السطور لا نملك أرقامًا مدقّقة عن أعداد طلابها وخرّيجيها وأبحاثها نضعها بين يدي القارئ، فنكتفي هنا بما ينصّ عليه القانون ولا نزيد. وما يعنينا أن فكرة «مدينة للبحث العلمي» صار لها في مصر سند تشريعي برقم وسنة، يستطيع أي مواطن أن يرجع إليه ويقرأه، وأن يسأل بعد ذلك — بحقّه لا بفضل من أحد — عمّا تحقّق منه.

رحل أحمد زويل في الثاني من أغسطس 2016 عن سبعين عامًا. وفي كل ثاني عشر من أكتوبر تعود ذكرى الإعلان السويدي، ومعها سؤال أثقل من الاحتفال: ماذا نفعل بميراث رجل جعل مهنته أن ينظر إلى اللحظة التي لا يراها أحد؟ الجواب، في تقديرنا، لا يبدأ من ميزانيات ولا من مبانٍ، بل من معمل مدرسة تعمل فيه الحنفية، ومن أستاذ يسمح لتلميذه أن يخطئ في التجربة مرّتين، ومن أسرة لا تعتبر أن ابنها «ضيّع سنتين» لأنه أعاد قياسًا لم يقتنع بنتيجته.

ولذلك، حين تعود إلى صورة الشمعة المهزوزة في هاتفك، تذكّر أنك أمام السؤال نفسه الذي شغل عالمًا من دمنهور نصف قرن: أن ما يبدو لنا لحظة واحدة هو في الحقيقة حكاية لها بداية ووسط ونهاية، وأننا لا نراها لأن أعيننا — لا الحكاية — بطيئة. أرِ ابنك الصورة، واحكِ له أن رجلًا مصريًا صنع طريقة لمشاهدة ما هو أسرع من ذلك بمليارات المرّات، وأنه بدأ من فصل يشبه فصله.

مشاركة

مواد ذات صلة

قبتا مرصد فلكي في الصحراء تحت سماء مرصّعة بالنجوم يظهر فيها حزام الجبار
الابتكارات العلمية

عين مصر على السماء: مرصد القطامية.. مرآة الـ74 بوصة التي ترصد الكون من الصحراء الشرقية منذ 1964

على هضبة صحراوية شرق القاهرة قبة تُفتح عند الغروب منذ أكثر من ستين عاماً. في أسبوع الفضاء العالمي نحكي قصة تبدأ من مرصد العباسية والخديوي في حلوان ومذنب هالي، وتصل إلى مرآة عملاقة تعاقدت عليها مصر عام 1948 وحدّثتها بأجهزة يابانية.. وتذكّر كل طالب بأن الفلك في مصر مهنة لا تراث فقط.

٦ أكتوبر ٢٠٢٦ · ٧ دقائق قراءة

جُعران من الخزف الأزرق المصري القديم معروض مائلاً بجوار مسطرة قياس مقسّمة بالأبيض والأسود
الابتكارات العلمية

«الأزرق المصري»: أول صبغة صناعية في التاريخ تعود اليوم لتكشف البصمات وتضيء الخلايا

لون أزرق صنعه كيميائيون مصريون من الرمل والنحاس والجير قبل آلاف السنين، اكتشف علماء في 2013 أنه يتفتت إلى صفائح نانوية تشع أشعة تحت حمراء، فصار مسحوقاً يكشف البصمات في أستراليا، وعدسة تضيء أجنة الذباب وأوراق النبات في ألمانيا. قصة مادة قديمة بخاصية حديثة، وسؤال عن مختبراتنا اليوم.

١٧ سبتمبر ٢٠٢٦ · ٧ دقائق قراءة

حفريات عظام ديناصور معروضة داخل فاترينة زجاجية طويلة وبجوارها بطاقات تعريف
الابتكارات العلمية

قبل الفراعنة بثمانين مليون سنة: ديناصور المنصورة وحفريات الواحات التي أحرقتها الحرب

طلاب مصريون من جامعة المنصورة أخرجوا من صخور الواحات الداخلة عظام «منصوراصورس»، أكمل هيكل ديناصور من أواخر العصر الطباشيري في أفريقيا. وقبلهم بقرن، دفن عالم ألماني ديناصورات الواحات البحرية في ميونخ فأحرقتها الحرب. حكاية أرشيف الأرض في صحراء مصر، وعلم يمكن لابنك أن يدرسه هنا.

٨ سبتمبر ٢٠٢٦ · ٧ دقائق قراءة